كشف عن حقيقة علمه ، وفي الكلام ما يدل على وجوبه ، وذكر أنه يرده إلى أرذل
العمر تعريضًا بأنه يعيده إلى عدم العلم والميز كما بدأه ، ثم نص على ذلك بقوله:
(لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) وقد كشف عن معهود ذلك الوجود ، وفي قوله:
(يُرَدُّ) نص على معنى ذلك .
اتصف - جلَّ جلالُه - بالاقتدار على الإيجاد الأول عن عدم ، وهو الموت أيضًا ، ثم على
الإعادة بعد البداية ، ليس كمن يدعونه (مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ). وفيه أيضًا تعريض خفي بذكر الخلقة التي
نص عليها بقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) وعرض بها في
قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)
وبقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) .
ينتظم هذا من جهة المعنى بقوله في صدر السورة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) .
يقول جلَّ قوله وهو أعلم بما ينزل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ)
ثم كان التوفي على ما تقدم من معناه خاص بالذي يخترم فيموت غبطة ، وفي حال
استوائه منه قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)، (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ)
ونحوه .
يقول: وربما إن لم يتوفاكم حال الاستواء وردكم إلى أرذل العمر ؛ لكي لا
تعلموا من بعد علم شيئا؛ أي: وإنه إن كان قد صوركم أحسن تصوير فإنه يميتكم إذا
شاء وكيف شاء ، ويردكم من بعد حسن التصوير من العلم والحلم والذكر والفطنة
وحسن التخطيط إلى أرذل العمر ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )
لذلك وهو أعلم ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) لا يستحيل علمه
(قَدِيرٌ) لا تُعدم قدرته .
قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي
رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ... (71) . معنى هذه الآية والله