يكون بعد - أعني: الكائنات - كل على نوبها المكيفة وآجالها المحددة .
(فصل)
إذا كان ما تقدمه كما ذكرته فما معنى إنزاله إياه في ليلة القدر وقد قلت إنه
يفرق فيها من أم الكتاب ما يكون من تلك الليلة إلى مثلها في المستقبل ، والقرآن
قلة الميون من السنين ، وهو من الأمر المفروق ؟ فالجواب: أن أقل ما تكون ليلة
القدر له لوحًا سنة ، كما جاء أن"الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ، والجمعة إلى"
الجمعة كفارة لما بينهما ، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما"كذلك ليلة القدر"
يفرق بعض ما يفصل فيها من الأمر منها إلى مثلها ؛ كالصلاة إلى الصلاة والجمعة
إلى الجمعة والرمضان إلى الرمضان ، كذلك أسابيع ليلة القدر وأسابيع أسابيعهن
وخواميسهن وأسابيعهن ، ثم ضرب أسابيع الأسابيع وأسابيع الخواميس ، والله أعلم .
قوله ، له الحمد: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) إنذار منه - عز جلاله - برفع
القرآن الذي أنذر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متصل الانتظام - والله أعلم بما ينزل -
بمعنى ما تقدم أنذر بما يكون مما قدر كونه من ليلته إلى مثلها في عام عام ، وفي
خمس خمس ، وتسع تسع ، وتسع وأربعين إلى مثلها ، وألف شهر إلى مثلها ، وما
ضرب فيه من خواميس وأسابيع ، وما بين ذلك من تقدير العزيز العليم .
نظم بذلك قوله: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ(5) . بشّر بما يكون
في ذلك مما قد قدره من نصر الإسلام وإظهاره وإصلاح جملة أهل الإسلام بلادًا
وعبادًا ، أو ما يديل من ذلك لبعض دون بعض ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"دعوت الله"
لأمتي ألا يهلكهم بسنة عامة ودعوته ألا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيستأصل
شأفتهم ففعل"."
فدخلت النذارة في البشارة على هذا والبشارة في النذارة ، حتى يأتي أمر الله في
القرآن المفروق من أم الكتاب المحدود كونه ولبثه بين ظهراني العباد ، وإن كان