مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
قوله - جلَّ جلالُه -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ...(1)
الحمد جماع المدح والمدائح كلها ، والثناء الحسن أجمعه ، وهو أوسع
الصفات ، ثم عبَّر - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه عن قدرته الكاملة ، وعلمه المحيط
ومشيئته النافذة ، وتدبيره المحكم والتوحيد العلي ، إلى سائر ذلك مما هي الأسماء
الحسنى والصفات الكاملة العلا ، معبرة عنه مقتضية له ، وهو أيضًا تعريض بالإعلام
بضلال أهل الأوثان ، وكل من عبد إلهًا غير الله ملكًا كان أو إنسانًا أو جانًا أو حيوانًا ،
معنى كان أو جسمًا ، إذ لا يخلو أن يكون ذلك في السماوات أو في الأرض .
ثم عرض - جلَّ جلالُه - يبطل الثنوية والمجوس والمانوية ، وغيرهم الذين اعتدوا وعبدوا
النور ، واعتقدوا أن فاعل هذا بأسره أصلان قديمان: أحدهما نور ، والآخر ظلام ،
قالوا: فالنور خير بطبعه ، والظلام شرير بطبعه إلى غيرها من ضلالتهم .
قوله - جلَّ جلالُه -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ...(2)
ذكَّرهم - جلَّ جلالُه - بالعودة بعد البدأة ؛ إذ خلقهم من طين أوجب من حكمته
عن ذلك أن يعيدهم إلى ما منه بدأهم ، ثم بعد ذلك يحييهم عودًا بعد بدء ، كما قال
جلَّ ذكره: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى(55) .
ومثله كثير .
قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) لما ذكر جلَّ
ذكره أوليتهم ، وعرض بآخريتهم وما بين ذلك سرد على ذلك ذكر الآجال اختلف
فيما هو المراد من قوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) فمن قائل يقول:
قضى أجلًا ؛ يعني: الدنيا ، وأجل مسمى عنده ، يعني: اليوم الآخر .
ومن قائل يقول: الأجل المسمى هو آخر مدة الدنيا الذي حدَّه يوم القيامة ، فهو
مسمى بهذا التحديد ، وأجل عنده هو مدة الآخرة الذي ليس هو عندنا نحن معلومًا ،
وهو في علم فيه معلوم .
وقال: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا ، تقديره: ثم قضى أجلًا مسمى وأجل