اليوم أيضًا ، لكن تمهيدها على النهاية ذلك اليوم ذكر تمهيد الأرض آية على تمهيده
أرض الجنة ، كما قد جاء من وصفها وتعداد أنعم ؛ إذ جهنم - أعاذنا الله برحمته منها -
لا أرض فيها ، إنما حالهم فيها رسوب إلى قعر ما هم فيه وصعود بالغليان ، وربما
اضطروا إلى جبال فيها ليصعدوا عليها نوع من العذاب يضع أحدهم يده عليه
فتذوب ، ويضع رجله فتذوب ، ثم يجد ذلك منهم هكذا ؛ فإذا صعد إلى حيث
شاء الله به ذلك زل فهوي إلى حيث شاء الله به ذلك ، لا يذوقون لذيذ الشراب أبدًا ،
ولا يستقرون على أرض أبدًا ، ولا يضطجعون أبدًا ، نعوذ بالله من أحوال أهل جهنم
فىِ الدنيا وفي الآخرة ، فحيثما جاء ذكر تمهيد الأرض أو تعداد نعم فهو وصف
للجنة باعتقاد النمضل وتعريض بوصف جهنم ، فافهم وفقنا الله وإياك .
أتبع ذلك جلّ ذكره: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)
يقول ، وهو أعلم: أوجدنا نورًا وظلامًا ونهارًا وليلًا ، وشقاء وسعادة ،
وصحة وسقمًا ، وخيرًا وشرًّا ، وغنًى وفقرًا ، وشدة ورخاءَ ؛ ليتذكروا بذلك الوعد
والوعيد والثواب والعقاب ، وقد جاء في القرآن ذكر الزوجين بمعنى: الذكر والأنثى
في قوله - عز من قائل: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) .
وجاء أيضًا ذكر الازواج بمعنى: النبات ، والتمييز بين ضروب الثمرات ، فكل
نوع من ذلك زوج ، لكن تمام العبرة بذلك إن شاء الله ، وهو الموفق المرشد ، إن الله
-عز وجل - خلق الدنيا مبنية على نفس جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - وأنزل رحمته
بالماء من السماء ، وقد مزجه بماء من ذلك في أجواء الهواء ، ثم بما في الأرض من
ذلك أيضًا ، ففصل الماء إلى الثلاث شعب فتح رحمته وفيح نفس جهنم على المزج
من ذلك ، وإن كان قد أمال من ذلك ما أماله إلى خاصة كل شعبة منها ، فمنها إلى
الرحمة ومنها إلى الحر ومنها إلى البرد ، وعلى وصف التفاوت المذكور ليدل بذلك
على داري القرار في الآخرة الجنة والنار ، ثم بالتفصيل والتنويع بالمقاربة والمباعدة
من الأصول المذكور لذلك ، وهو أعلم بما ينزل .
أعقب ذلك بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) نظم بذلك ما هو تبيين
لما تقدم قوله - عز من قائل: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)
أي: فروا من وعيده الموجب لعذابه الذي دلكم على وجوده بما