(فصل)
اعقل عن ربك وعن أمره وآمن به ، فهو - جلَّ جلالُه - الرافع القسط وخافضه ، المقدم
والمؤخر ، والهادي والمضل ، والمصرف الحكم كله ، وحكمه بالكلمة كحكمه
بأَلسنةٍ ، ذلك كله عليه يسير ، وعلى كل شيء قدير .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ
وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)فمن هنا كان الخوض
والاختلاف ظاهرًا في أبعاض الجملة ، ثم الحكم العدل والقضاء الفصل في ذلك ،
وكَّله على ما [شاءه] من عاجل وآجلن وإلا فكل الجملة قانت لعزة الله جلَّ ذكره ،
مستسلم في قبضة قدرته .
وحركة أبعاضها سكون في حقه ، واختلافها وفاق في مشيئته ، ومصير إلى ما
هو كمال للجملة ، والإمساك والحفظ والكلاءة والمحترس من أجله ، والممك
بسببه ، والمتوقع وقوعه كل ذلك أمره (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) .
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) .
قوله جلَّ ذكره: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ...(80)
وذكر أهل التفسير في ذلك ما شهر عنهم أن اليهود قالوا: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة ،
وإنما يعذب الناس في النار مكان كل سنة من سني هذه الدنيا يومًا واحدًا ، وهذا
قول مرغوب عنه ، محجوج بما ثبت من ذكر الخلود ، هذا إلى البحث عن هذا
المقال: هل قالوا هذا أم لا ؟ .
وقيل: إنهم قالوا:"هي الأيام التي عبدنا فيها العجل"والظاهر من مفهوم هذا
الخطاب أنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم على الإسلام والإيمان الموجب
للجنة والمعد عن النار ، والإيمان الموجب للجنة هو الإيمان بالله وملائكته ورسله ،
وبالقدَر خيره وشره ، حلوه ومره ، والعمل الصالح ، فكانوا يقولون على ما هم عليه:
(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) أي: عدتها في علم الله ومشيئته ، ثم