النور عقيب الظلام ، ويبين الحق عقب الباطل ، ويبين الإيمان بإقرانه بالكفر في غير
محل حامله ، ويبين الصدق بمقابلة الكذب لو كان الإيمان أبدًا والصدق أبدًا والنهار
والنور والضياء أبدًا .
والحق وجوده ظاهر موجود لم يقابله فيما هَاهُنَا ما يتميز به عنه ، ويذكره
بتحديده ، ويتعرف بتناوبه وإقباله وإدباره مع وجود العقول القاصرة والجهل
والنسيان معاقبان للعلم والذكر ، لكان النسيان والغفلة وغير ذلك من الآفات
التي قامت في وجوهنا دون مشاهدة الحق المبين كما تقدم ، والضد يظهر حسنه
الضد ، وبضدها تتبين الأشياء في هذه الدار ؛ لذلك قال - وهو أعلم:(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
خَبِيرٌ)أي: إنه لطيف بنا في تعريفنا به لضعف صفاتنا التي هي العلم
والفهم والذكر منا وغير ذلك ، فإذا أعادنا خلقًا آخر في الدار الآخرة فليس ثم ليل
ولا نهار ولا ظلام ولا مكروه ولا ضد لما من صفات الحق ، وعلى وجوده أوجدنا
يومئذٍ على صفات خلقه لا يضل عن هدايتنا ، ولا ينسى معها من هو أقرب إلينا منا ،
فافهم ، نسأل الله إتمام النعمة وإكمال المنة .
أتبع ذلك قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ...(65)
صرف وجه بعض الخطاب إلى معنى قوله:[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . . )]الآية إلى قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) .
ثم قال وقوله الحق:(وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ
عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)فهو يمسك السماء أن تقع ، كإمساكه
الجملة أن تزول ، وكما يسَّر للمعتمدين معتمدًا هي الأرض أو ما يقوم مقامها
كذلك يسَّر لكل ما خلقه ما من شأنه حرق الهواء سفلًا ، والهوي فيه من قدرته