وَلَا الْمُسِيءُ). وجه من هذا قد تقدم الكلام بأنه لا يستوي الأعمى
والبصير ولا المؤمن والكافر ، كذلك أيضًا لا يستوي المؤمنون والصالحون ولا
يستوي المسيئون ، هم درجات هؤلاء وهؤلاء .
ثم ضرب مثلًا للبصير والمؤمن المصلح كيف يكتسب الهداية إليه والقرب منه
بقوله: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ...(61)
سمى النهار: مبصرًا بالإضافة إلى الليل لما كان الليل كافًّا للأبصار عن الانبساط على
المرئيات رادعًا لها عن الانتشار ساترًا للمبصرات ، وكان النهار بضد ذلك مبصرًا ،
أي: يعطي المبصر بصرًا مجازًا واتساعًا كعادة العرب الذي أنزله على لسانها ، مثل:
ليل قائم ، ونهار صائم ونحو هذا .
ثم ما نزل هذا حتى قبض الأمر إلى نفسه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) . ففي هذا معنيان من الدلالة:
أحدهما: دلالة على الوحدانية في اختلاف الليل والنهار بما هما وبما فيهما .
والثاني: لما كان الليل يشبه الموت والعمى والجهل وجهنم في سوادها
وظلمتها ، وكان النهار يشبه الحياة والعلم والإبصار والأفق المبين والجنة نبههم
على استعمال الشكر وطلب العلم والاغتباط بالهداية إلى رب هو فاعل هذا وقادر
عليه ومدبره ، لا كمن يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يغني عنه شيئًا ،
والوجه الثالث: أن هؤلاء وهؤلاء ليسوا بمستوين في تحقق الاستجابة لنا ، فلذلك لا
يستوون في إسراعنا في الاستجابة إليهم ، فافهم .
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ