شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) .
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا ...(108) . يعني: أهل الكتاب(بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ
تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ)أن يعشر عليهم بخيانة ؛ يعني: أهل الكتاب(وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاسْمَعُوا)فهذه السنة والحكم فيما كان في مثل هذا ، وهو المسلم
يموت بين قوم مشركين ، أو قوم من أهل الكتاب ليس بينهم مسلمان يقوِّم بهما
الشهادة ، ووصى ببعض ما تركه لبعض ما حضره من أُولَئِكَ ، فقد وقعت الريبة إنهم
اختانوا أمانتهم ، وقد فقد العدلان من المؤمنين فيما هنالك حبس الشاهدان منهما ،
وحلفا أن شهادتهما حق ، فمتى عثر على أنهما حنثا في يمينهما وقفا رجلان بين
المدعين الحق ، فخلفا على دعواهما ، ثم وقف الآخران الأوليان المستحق عليهما
(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) .
يقول الله جل ذكره: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) في أول
الشهادة (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) .
اختلف المفسرون - رحمهم الله - في هذه الآية ، فقالت فرقة: هي منسوخة بقوله جل قوله:
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقوله - جلَّ جلالُه -:(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ
رِجَالِكُمْ)والمخاطبون بهاتين الآيتين هم المؤمنون ، وهاتان الآيتان
نزلتا قبل سورة المائدة ، فكيف يكون القبل ناسخًا للبعد .
قالت عائشة - رضي الله عنها: سورة المائدة من آخر ما نزل ، فما وجدتم فيها
من حلال فاستحلوه ، وما وجدتم من حرام فحرموه .
والصحيح أنها ليست بمنسوخة بل هي محكمة فيمن جاور ، والكفار في
الأقطار التي تقاربهم ، فتدعو الضرورة إلى مصاحبتهم ومخالطتهم في المتاجرة ،
وغيرها مما يلزم أحوال المجاورة ؛ وهي أيضًا إن وقعت في قبضة المسلمين وحيث
جماعتهم ، فالواجب أن يحكم فيها بهذا الحكم الذي حده الله - جلَّ جلالُه - .
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ