برحمته بواسطة الاجتباء منه والاصطفاء لنا ؛ بل من أين لنا خروج من جهنم بعد
هذا أو نجاة منها وهي لنا إحدى الأميين واحدى الموضعتين ، منقلب فيها ومأوى
إلا بأن يفنح لنا من رحمته كما كان يفتح لنا في الحياة الدنيا بالماء فينزله زلالًا ،
فيخرج لنا به من كل الثمرات ، ويفجر الأنهار عنه ويجري العيون(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)
فيجيبه بروح الإيمان ويرسل إلى باطنه تباشير الهداية ويمطره من ماء التوبة ما ينبت
به في باطنه وظاهره ما يرضاه ويحبه من الأعمال الزكية والأقوال المرضية .
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى(33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34)
المتولي هو: المكذب العاتي ، والذي (أَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى(34) . هو: المرتد عن دينه
بعد إسلامه ، أو الناكص على عقبيه لظلم نفسه ، أو المتعاجر بعد الإعطاء من نفسه
العهد بالوفاء لعلي الإيمان .
يقول - عز وجل -: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى(35) . أي: ما أعد له فيما
هنالك من حسن مآب فاكتفى بذلك ، وقطع العمل أكدى في العمل إذا قطع ، وهو
مأخوذ من الكدية يعرض لحافر البئر بحفرها وأمله أن يستخرج الماء فيجد حجرًا
في طريق الحفر لا تقطعه المعاول فيقطع حفره ، لذلك فقيل لكل عمل قطع عمله:
فله أكدى فلان .
نظم بذلك - جلَّ جلالُه - قوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)
بقول إبراهيم ؛ أي: الذي لم يتولَّ ولم يكد بل وَفَّى ، قال الله - جلَّ جلالُه -:
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) وقد مضى ذكر هذا في
سورة البقرة .
ثم استمر - جلَّ جلالُه - على ما في الصحف من ذكر التوحيد وإثبات النبوة والرسالة ،
وذكر نعم الله - جلّ ذكره - وأياديه ونقمه وذكر أيامه ، وأنه - جلَّ ذكره - إليه
المنتهى بكل وجه وبكل مقصد ومطلب ، وأن إليه يرجع الأمر كله ، وأنه خالق كل
شيء ومدبره ، وذكر الجزاء العاجل والآجل ، وأنه يعيد كما أبدأ ، وأنه رب كل شيء ،
وذكر المهلكين وأنه هو الذي أهلكهم ؛ ليدل بذلك على إهلاك من سلك سبيلهم
وأخذ على طريقهم في الآخرة ، فكان معنى قوله - وهو أعلم بما ينزل: (وَإِبْرَاهِيمَ