قوله تعالى: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(29) . أي: إن
الحكم فيهم يومئذٍ أن يقال فيهم: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون ، وهو عذاب الآخرة ،
وقرأها يعقوب في رواية ورش:"انطلَقوا إلى ظل"على الحكاية والوصف لما
انطلقوا إليه إلى ظل ذي ثلاث شعب ، قيل: إن دخان جهنم يتشعب منه شعبة إلى
المحشر فتظلل الكفار ، تأخذ بأنفاسهم ولا تكنهم من حر الشمس ، ويكون وصفهم
في جهنم ما ذكره (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ(31) . كما قال: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ)
هو الدخان (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(44) .
(إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ(32) . بالفتح ، إن الشرر المرمي منها
كقصر النخل ، يقال: قصر الشجرة لأصولها ، واحدها: قصر .
قال ابن عباس: حُزم الحطب بلوح حال مرورها كالجمالات الصفر ، وذلك
من أبدع شيء تشبيهًا .
وقرئ:"كالقِصَر"رُوي ذلك عن ابن جبير بكسر القاف وفتح الصاد ، قال:
أصول الشجر .
وروي عن الحسن أيضًا عن ابن عباس:"حمل"، وروي عن الحسن:"صَفر".
والجمع بين هذه القراءات - والله الموفق للرشاد - إن هذه الشرر كالقصر
عظمًا تلوح في مرها امتدادًا كأصول الشجر وكأعناق الجمالات الصفر سائرة ،
والمعروف عند العرب أن الجمال السود يقال لها: صفر ، لأن سوادها أبدًا مشوب
بصفرة ، ونار جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - سوداء مظلمة ، فإذا انفصلت شررها
شابها اصفرار رجوعًا بها إلى لونها الأول ، وليكون ذلك زائدًا في جزع المرمي بها ،
وهو صواعق تلك الدار ، نعوذ بالله من عذابه ، وتفسير قراءة من قرأ"كالجمالات"
وأنها حبال السفن بضم بعضها إلى بعض ، فذلك تشبيه حال هويها إلى المقصود
بها .
وقد يكون معنى قوله - جل من قائل: ( انطَلِقوا إلى ظِل ذِي ثَلاثِ شعَب )
إن جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - ذات ثلاث صفات عليها
انبنت وتأسست ، وهي: الحرارة واليبوسة وهذه هي النار ، ثم البرودة واليبوسة وهذه
هي الزمهرير ، فهذه ثلاث صفات عنها تفصلت شعبها كلها ، وما كان فيها من حميم