306 مورة النحل 401 - 147
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) . أحال الله جل ذكره قريشًا والعرب لجهلهم بهذا
الأمر على أن يسألوا أهل الذكر وهم أهم الكتاب: هل الرسل الذين أرسل إليهم
وإلى من قبلهم من البشر أم لا ، وإنهم لم يكونوا ملائكة ، بل كانوا رجالًا من أهل
القرى أرسلهم إلى الناس (بِالْبَيِّنَاتِ ...(44) . أي: الكتب وآتاهم المعجزات (وَالزُّبُرِ)
يريد: الكتب ، ثم قال عز من قائل:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
الذكر قد يكون القرآن نفسه ، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ)
وقد يكون بعض القرآن ومعنى من معانيه ، قال الله تعالى: (ص
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) . ثم قص أخبار الرسل والأنبياء .
ثم قال: ( هَذا ذكرٌ) ثُمَّ ذكر مآب ( لِلمتقِينَ) وقال: ( هَذَا ذكرٌ)
فأردف عليه ذكر مآب الظالمين وقال: (هذَا ذكرٌ) والذكر أيضًا قد يكون بعض ما
أوحى إليه وإلى سواه من الأنبياء والرسل والكتب كلها بما فيها ذكرًا .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا
ذِكْرًا (99) . أراد به والله أعلم: إنما يشير به إلى قوله قبل هذا: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ
الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) . فإن قصص الأنبياء وذكر
آيات الأرض والسماء يكون ذكرًا ، لأن بها يتذكر وبها يشهد بعلم لا إله إلا الله
والحمد لله (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(22)
من هذا الضرب إلى آخر السورة ، وآية الكرسي ، وسورة الإخلاص ،
وأول سورة الحديد ، وأمثالها في القرآن هو الواقع عليه اسم الذكر مشهرًا ، وهو
القرآن العظيم ؛ لذلك وهو أعلم أعقب بقوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) . وهذا
النوع من الذكر يخفف به الأوزار أولًا ، ثم بما عداه من الذكر ثانيًا ، ويدل على
صحة ما قلناه ، والله أعلم .
قوله: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99) . فهو الذكر اللدني ، وقد يكون
الذكر المراد في هذه الآية المتكلم عليها: ما ملأ به صدره قبل من حكمة وإيمان ،