الدُّنْيَا معهودًا فينصر ، يقول: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ) وإنما وجبت رحمته للمؤمنين ، لما
فصل النهار من الليل والليل من النهار ، والخير من الشر ، والضر من النفع ، والإيمان
من الكفر ، وحدد الحدود وأجل الآجال دل بذلك كله على القضاء يوم الدُّنْيَا
واستقبال اليوم الآخر .
ولما خلق السَّمَاوَات والأرض وما بينهما وكل شيء له قانت وله عابد وساجد
ومسبح وحامد ومكبر ومصلٍّ ومنفق مما عنده ، وشاهد له بما هو أهله من الوحدانية
والتفرد بحقيقة الألوهية والأسماء الحسنى والصفات العلا ، كان مالك ذلك كله
دون ممانع له ولا مظاهر عليه أمر بما شاء وتمنى عما شاء ، وكان ذلك منه في
موجود ما خلق الله السَّمَاوَات والأرض وما بينهما عليه من الحق الذي شرعه لها
وفطرها عليه وهو الصراط المستقيم .
أرسل بذلك رسله وكنب به كتبه ، واصطفى على ذلك وهدى ، ووالى عليه
وعادى ، وأكرم به من شاء وأهان ، وقرب من أجله من شاء وأقصى ، فهو إذا قضى
بتمام يوم الدُّنْيَا وأقبل بيوم الأخرى جمعهم بين يديه ، ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ،
وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فأمن بذلك
المؤمنون وسلموا للا أنفسهم كما سبق لهم عنده في الأزل ، فأوجب لهم بذلك
رحمته النجاة من جهنم وعذابها والفوز العظيم من الجنة ومثال ما فيها ، وهذا من
الحق المخلوق به السَّمَاوَات والأرض الجنة وجهنم ، من ذلك ما نظم به من ذكر
جهنم والجنة قوله: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ(43) .
(إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ(43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) .
قوله - جلَّ جلالُه - وقوله الحق: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ(43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)
هو: المتكبر الكافر (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ(45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)
قالوا: المهل: عكر الزيت . وقالوا: الصديد ، والله أعلم .