وغروبها كل يوم ؛ فكذلك جعل له في مشارقها أيضًا ومغاربها وتوسطها ، فالتوسطان
بمنزلة طلوع الشمس وغروبها ، وكونها في مشارقها من أول برج الكبش هو بمثابة
طلوعها وكونها في الاعتدال الثاني عند استقبالها البروج الجنوبية عند حلولها برأس
الميزان هو بمثابة غروبها ، ثم يكونها في الانتهائين في طول الأيام وقصر الليالي
حين حلولها ببرج السرطان هو بمثابة استوائها في الصيف في كبد السماء ، كما
بحلولها برأس الجدي يكون الانتهاء في الشتاء في قصر الأيام وطول الليالي هو
بمثابة استوائها فيما يقابل استوائها في كبد السماء في النهار .
يقول - عز من قائل: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17) . فلا
تعبدوا سواي ولا تدينوا لغيري ، فعرض بما شرع الشيطان - لعنه الله - لأتباعه من
عباده أعيار فيما هنالك وحدود حدها لهم وشرائع شرعها لم ينزل الله بها من
سلطان ، لذلك قال - عز من قائل: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(18)
أي: هو خالق الشمس والقمر ، وأدار الأزمان دورانها ، وخلق الأيام والمشارق والمغارب
والنجوم ، وسخر ذلك كله لعباده ، فلِمَ تتخدون الشيطان(وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).
يقول: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) .
(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191) .
وفي الحديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أنزلت عليه هذه السورة خرج على
المسلمين فقرأها عليهم فاستمعوا له وأنصتوا ، فقال لهم رسول الله:"للجِن كان"
أحسن مردودًا منكم ؛ كلما مررت في قراءتي عليهم بقوله:(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ)قالوا: [ولا بشيء] من آلائك نكذب ، ربنا لك الحمد"."
قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)