الهواء لرقة وغلظ بعض الغلظ فأشبه الماء ، فظنت لبديع صنعته وإتقان حملته
ولصفائه ورقته الذي نفذ الهواء فيه أن الذي علا منه هو منبطح على الأرض ،
و (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ) وهي كلمة مشتركة ، إذ لم يقل لها: اصعدي الصرح ،
فتأهبت لذلك وكشفت عن ساقيها ؛ لتخوض لجة ما رأته ماء ، واللجة غدير الماء
ومعظمه ، فاعترضها دون ما عزمت عليه حائط الصرح قائمًا ، فقيل لها:(إِنَّهُ صَرْحٌ
مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)أي: أنه صنع من زجاج ، والممرد: المملس ، ومنه
قيل للشاب لم يلتح بعد: أَمرد ، لملوسة خديه ، فتبين لها إعجاز ملك سليمان ، وأن
ملكه ليس من ملك ملوك أهل الدنيا .
فالإتيان إبان عرشها على ما قص علينا ، والأخرى في صنعة الصرح ، وبما تقدم
لها قبل من توصيل الهدهد الكتاب ، ثم صار بموضع يسمع تراجعهم ؛ ليوصل ذلك
إلى نبي الله - عليه السَّلام - فقالت عند ذلك: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: في عبادتي سواك
وتخلفي عن دعوة نبيك إياي إليك (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
فهذه سنة الله - جل ذكره - في عباده ورسله ورسالاته وحكمته في دعائه
عباده ، ألا ترى أنه لما بعث موسى - عليه السَّلام - إلى قوم جل ما يدينون به ، وأكثر ما يعولون
عليه صناعة السحر ، أتاهم بقلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء ، وكذلك عيسى - عليه السَّلام -
أرسله إلى قوم قد توفرت دواعيهم إلى علم الطب والعمل به ، فأتاهم بإحياء الموتى
وإبراء الأكمه والأبرص ، وبأن يخلق من الطين كهيئة الطير ، ينفخ فيه يكون طائرًا
بإذن الله .
وأرسل محمدًا - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين - إلى قوم شأنهم
فصاحة الخطاب والتفيهق في تصاريف الكلام ، فأتاهم بالقرآن المعجز ، كذلك لما
كانت هذه المرأة ملكة أتاها سليمان بملك معجزة ، وكانت أحرى بعرفان ذلك ،
لإشرافها على ما بين البونين ، وأسلمت لذلك بإذن الله العليم الحكيم .
قوله - عز من قائل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ(45)
الفريق مأخوذ من الفرقة ، فمتى انفرد واحد من
الجميع أو أكثر كانت فرقة وفريقًا ، وقد بين الله سبحانه أنهم فريقان مؤمنون