يقول - عز وجل -: مرج هذا مع هذا فاختلطا على حد محدود حده لهما ، فلا ينبغي العذب
المحض على المختلط منهما والملح ، ولا موضع المختلط يتعدى قدره إلى هذا
ولا إلى هذا .
يقول - جلَّ ذكره: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا) يعني ، وهو أعلم: موضع
أخلاطهما (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) في الثلاثة الأصناف ، حيث رق الملح
والعذب ، وحيث رق المختلط ومحض الملح من الطرف الآخر ، والوسط الذي هو
حقيقة البرزخ ؛ أي: منعًا ليس واحد منهما أن يتعدى حده ، ثم قد يكون الحلي
المستخرج من البحر المالح واللحم الطري أكثر حدًا ، وأحسن ذلك ؛ لأنه قدر الفتنة
في هذه الدار أكثر ، وجعل دوائرها على الأغلب أكثر ، والدنيا إلى ذلك الحزب أميل
بمتاعها وحطامها ، كذلك البحار المالحة أكثر ماء من العذبة وأوسع حدًا ، ويكون
معنى إيراده هذا في معرض التعرية لنبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ؛ لأجل غلبة الباطل ذلك
الوقت وفي أكثر الأحوال إلا ما شاء الله .
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ...(54)
نبه جل ذكره - على قدرته على خلق البشر من الماء ، وأن موجود
الإنسان من كونه ماء ، كما قال: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)
وأنه نوعه نَسَبًا وَصِهْرًا ، فالنسب ما لا يجوز النكاح فيه كالأم والأخت والعمة
والخالة ، وما قد ذكره الله في كتابه وبينه رسوله ، وجعل منه صهرًا ، وهو ما ينكح
إليه ، وهو ما شمله قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ) .
(فصل)
قال الله - جل قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)
أي: يبين عن نفسه مراداته في خصومته ، ويعرب بحجته - عز شأنه - ويكون المراد
أيضًا بقوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ) ، أي: مجادل في الله وفي آياته ، ويصد عن سبيل الله
ويملأ الأرض جورًا وظلمًا ، كفرعون والدجال ومن تبعهما وكل من دعا إلى نفسه ،
وقال هنا: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) فهذا
إخبار منه - والله أعلم بما ينزل - عمن أتم الله عليه نعمته ، فانتسابه إلى الربانية .