فهرس الكتاب

الصفحة 1901 من 2809

يقول - عز وجل -: مرج هذا مع هذا فاختلطا على حد محدود حده لهما ، فلا ينبغي العذب

المحض على المختلط منهما والملح ، ولا موضع المختلط يتعدى قدره إلى هذا

ولا إلى هذا .

يقول - جلَّ ذكره: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا) يعني ، وهو أعلم: موضع

أخلاطهما (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) في الثلاثة الأصناف ، حيث رق الملح

والعذب ، وحيث رق المختلط ومحض الملح من الطرف الآخر ، والوسط الذي هو

حقيقة البرزخ ؛ أي: منعًا ليس واحد منهما أن يتعدى حده ، ثم قد يكون الحلي

المستخرج من البحر المالح واللحم الطري أكثر حدًا ، وأحسن ذلك ؛ لأنه قدر الفتنة

في هذه الدار أكثر ، وجعل دوائرها على الأغلب أكثر ، والدنيا إلى ذلك الحزب أميل

بمتاعها وحطامها ، كذلك البحار المالحة أكثر ماء من العذبة وأوسع حدًا ، ويكون

معنى إيراده هذا في معرض التعرية لنبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ؛ لأجل غلبة الباطل ذلك

الوقت وفي أكثر الأحوال إلا ما شاء الله .

قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ...(54)

نبه جل ذكره - على قدرته على خلق البشر من الماء ، وأن موجود

الإنسان من كونه ماء ، كما قال: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)

وأنه نوعه نَسَبًا وَصِهْرًا ، فالنسب ما لا يجوز النكاح فيه كالأم والأخت والعمة

والخالة ، وما قد ذكره الله في كتابه وبينه رسوله ، وجعل منه صهرًا ، وهو ما ينكح

إليه ، وهو ما شمله قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ) .

(فصل)

قال الله - جل قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)

أي: يبين عن نفسه مراداته في خصومته ، ويعرب بحجته - عز شأنه - ويكون المراد

أيضًا بقوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ) ، أي: مجادل في الله وفي آياته ، ويصد عن سبيل الله

ويملأ الأرض جورًا وظلمًا ، كفرعون والدجال ومن تبعهما وكل من دعا إلى نفسه ،

وقال هنا: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) فهذا

إخبار منه - والله أعلم بما ينزل - عمن أتم الله عليه نعمته ، فانتسابه إلى الربانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت