بالقسط"وهذا منتظم بما تقدم من استعمال التثبت حتى يقع البيان ."
أتبع ذلك قوله - عز وجل -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ...(10) . وقرأ زيد بن
ثابت:"بين إخوانكم"وقرأ بذلك أيضًا جماعة ، وقرأ أبو حيوة:"بين إخوتكم"
بالتاء ، وكذلك قرأ يعقوب ، وروي ذلك عن عاصم .
ثم قال عز من قائل: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) المراد
المقصود بهذا: إطفاء شعلة النفاق ، وإصلاح شين المنكر ، وقطع الكفر والفسوق
والعصيان ، وأن المنكر إذا فشا فمخوف عموم العذاب من أجله ، نسأل الله العافية
والعفو وحسن العون على إقامة أمره ، إنه لا يقدر على ذلك إلا به .
ثم أخذ - جل ذكره - بسرد القول في حماية المؤمنين ألا يسخر مؤمن بمؤمن
ولا بمؤمنة ، وصى بذلك ذكرانهم وإناثهم ، وألا يلقبه ولا يلمزه ولا يهمزه ؛ وسمى
ذلك: فسوقًا ، بين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر"
وأوجب التوبة من ذلك والنزوع عنه ، وألا يظن مؤمن بمؤمن سواء ، وليناده بأحب
أسمائه إليه ويستشر له .
والظن: هو تغليب أحد الجانبين ، فأوجب الله - جلّ ذكره - التثبت عندما
يعرض للنفس حتى يقع البيان ، ومتى وقع البيان فالأفضل الستر وترك كشف
العورة ، والظن المراد هنا بالنهي عنه هو: تجويز أحد الجائزات من الشر ، فهذا
واجب اجتنابه وصرف النفس عن التحدث به ، وتحويل وجه القلب عن ملاحظته ،
وهو معنى قوله: (اجْتَنِبُوا) .
وعلم الله - جلَّ ذكره - أن النفوس مسارعة إلى ذلك ؛ لأجل إغواء الشيطان
إياها ، فجعل هذا الظن في حيز الكبر ، ونهى عن التجسس ، وقرأ عبد الله:"ولا"
[تحسسوا] "بالحاء غير معجمة ، وقرأ بذلك الحسن وابن سيرين ، والتجسس بالجيم:"
في الأخبار ، والتحسس: في الآثار .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ