قال الله - جلَّ جلالُه -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ(44) . وفي موضع
آخر: (بِظُلْمِهِمْ) والظلم هنا: هو جعلهم الإيمان لا يصح وجوده
منهم إلا بشرط رؤيتهم الله جلَّ ذكره .
(فصل)
إذا كان الموت فيه لقاء الله لا محالة ، فرؤية الله أرفع اللقاء وأعلاه ، وقد
قال [رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] :"يضحك الله إلى ثلاثة ..."وجاء مثل هذا في غير ما وجه ، والصعق
والنوم من آيات الله على ذلك ومقدماته ، ولكل حقيقة حق يتقدمها ، دل على ذلك
اشتراط القيمة قبلها ، وإعلام كل شيء وأوائله قبله ، والإسراء وإن لم يكن موتًا ولا
صعقًا ولا نومًا على أشهر الوجوه ، فقد خرج بما هو عن مشاهدات الدنيا إلى
مشاهدة الأفق الأعلى ، ولا تنكر الرؤية هنالك ، وقد جاء النص بها مكشوفًا فوجب
المصير إلى اعتقاد كونها إن شاء الله والإيمان بذلك ، والحمد لله وهو المستعان .
الإسراء: حالته غير حال الرسائل هي من أحوال الآخرة وكما يفتح على
الأنبياء والرسل موجودات المقدور الغائب ، فلا ينكر أن يبلغ أحدهم إلى الرؤية ، إذ
هي من موجودات الغيب ويكون ذلك بحكم النشء في طريق الكرامات من الأنبياء
والرسل ، كما قد يكرم الله بعض الأولياء بأن يوجد على أيديهم من المقدور الغائب ،
والله واسع كريم .
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)
قيل: إن اسم هذه اللات كان لأجل رجل كان يلت السويق عندها ويطعمه ، ولما مات
عكفوا على قبره وجعلوه وثنًا ، ثم نصبوا هذا الصنم وسموه بفعل ذلك الرجل .
وقد قرأ ابن عباس وأبو صالح ومجاهد وابن كثير في رواية عنه:"اللاتّ"
مشددة التاء مفتوحة ومكسورة ، وأرى - والله أعلم - أن الشيطان زينها لهم وهي
معدولة عن اسم الله - تبارك وتعالى - وهي عندهم من الملائكة على قبيح
معتقدهم في هذه الآلهة ، والعزى من اسمه العزيز - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه .