الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) . يعزيه بذلك ويقرب له الأمر ، وإن
خصومتهم هناك عند مرسله ومنزل الكتاب عليه ، وحذف ذكر الجزاء حتى عرض به
فيما بعده بقوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ) .
وفي ضمن هذا وعيد عليهم شديد ، فكما لا أظلم من هؤلاء ، كذلك لا عذاب
كعذابهم ، ولا إهانة كإهانة يلقونها ، وكما أن هذا كهذا فكذلك لا جزاء بخير كجزاء
يصير إليه المتقون الذين جاءوا بالصدق: وهم الرسول ، والذين صدقوا به: وهم
أتباع الرسل ، وعلى هذا فإن الذين جاءوا من بعدهم لم يروا رسول الله ولا حدثهم ،
إنما كان مجيئهم في فترات الرسل أفضل إيمانًا وأعظم قدرًا(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ)جعنا الله منهم وفيهم إنه ولي ذلك لا إله إلا هو .
قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ...(36) . ويقرأ"عباده"على الجمع(وَيُخَوِّفُونَكَ
بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)هذا منتظم بما تقدم ذكره من دعائهم إياه لمبايعة
بعض أمرهم وقولهم: إنا نخاف أن تختلك آلهتنا وأن تنالك بسوء ، كما قال قوم
هود - عليه السَّلام -: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) .
يقول الله في مقابلة قولهم ذلك:(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ
دُونِهِ)من أضله الله عن التوحيد لله - جل ذكره - ونسبة الكائنات إليه
أجمع (فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) ومن يهدي الله إلى التوحيد له والتوكل عليه
وتفويض الأمور كلها إليه فما له من مضل ، كذلك لا يخطئه إلا ما لم يرد الله أن
يصيبه ولا يصيبه إلا ما لم يرد الله أن يخطئه .
ثم قال: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ(37) . إذا كان الكفار يغترون
بآلهتهم ويضيفون الانتقام ممن خالفها إليها ، فالله العزيز ذو الانتقام على الحقيقة ،
ومن سواه لا يملكون نفعًا ولا دفعًا .
أتبع ذلك قوله - جل ذكره: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ...(38) . يقول - عز من قائل: هم يعتقدون هذا ومع ذلك هم
يضيفون العزة والانتقام إليها ، وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئا (فَأَنَّى