قاطع به عن أجله المسمى به الذي قطع به دونه ، ومات عنه لم يكن له هنالك
عوض ؛ إذ أنه إنما مات بأجله المسمى الذي لا أجل له سواه .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ)
أي: إنه ولو نفعكم الفرار من القتل الذي يكون عن أجلكم الأدنى ،
فإنكم لا تمتعون إلى الأجل المسمى إلا قليلًا .
أعقب هذا كله بقوله الحق: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ
فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
فأنبأ صريحا بآجاله المخترمة وأرزاقه المنقطعة بأتباع ذلك ولواحقه ، فعلى هذا انبنى
التدبير الحق حتى إن الدنيا لتعود آخرة في حق أقوام ، لأجل عبرة بها وعمل لها ،
والآخرة تعود دنيا جزاء وإثابة في حق آخرين ، لغفلة مستولية ولحكمة بالغة وأمر
عزم.
قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ
مَا تَكْسِبُونَ (3) . أصفق الإجماع أن المكان محصور محاط ، والمحيط به
وحاصره هو الله خالقه ، وإن الممكن ضعف عن حقيقة القدرة ، ونقص عن حقيقة
الكمال ، وكذلك القول في الزمان وما يتبع ذلك ، وكذلك المواجهة والمحاذاة
والتلقاء ، والفوق والتحت والقبل والبعد ، وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء ، ولا
يبعد عليه شيء ، بل هو قريب من كل شيء بوصفه .
وهو القدرة والدرك ، والأشياء مبعدة بأوصافها ، وهو البعد والحجبة ، والبعد