فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 2809

والإبعاد والحجب حكم مشيئته ، والحدود والأقطار حجب بريته ، والمسافة والتلقاء

مكان لسواه ، والنواحي والجهات مكان المحدثات ، والنهار والليل مسكن

المتصرفات ، والبعد والفضاء مكان المخلوقين ، والتوسعة والهواء مكان العالمين ،

والأحكام والأقدار واقعة على خلقه ، والحجب والأستار متصلة بمخلوقه .

وإلى هذا(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا

تَكْسِبُونَ) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) غير متصل بخلق ولا

مفارق ، وغير مماس للكون ولا مباعد ، بل منفرد بنفسه متحد بوصفه سبحانه وله

الحمد ، كما أن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فكذلك ليس كوجوده وجود ، وليس كشأنه شأن ،

كان في أزل أزله بأسمائه ووصفه وصفاته ، وهو الآن على ما لم يزل عليه وخلق كل

شيء ، فقدره تقديرًا .

وكل وصف لموصوف في الحدث فهو مشير إليه ، وآية على وصف له هو في

القدم موجود له ، حقيقة ذلك في الحضرة الرحمانية ، ومعارف الصمدانية في معالم

الجبروت والملكوت ، كذا سبحات الكبرياء والعظمة ونزاهة القدس والجلال ، فهو

-جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه وجدَّه - يعبر بأنه في السماوات وفي الأرض ،

ومع جميع خليقته عبارة حق عن وجود حقيقة ، فهو كذلك من حيث هو لا من

حيث هي .

فأما المعلمون من المشايخ - رحمهم الله - فإنهم لم يفرغوا لتحرير العبارات العوام ، فكل

ما أتى من هذا تأوله مخافة الإيهام ، ونفوا عنه الاتباع خشية الإشكال إذ ذلك ؛ أعني:

توهم ما لا يجوز عليه معدوم عند العقول الصافية ، ونواظر البصائر الصائبة ، كيف

تشبه الخليقة الحقيقة ؛ بل كيف يماثل القدرة المقدور ؟! جل القديم الأول عن أن

يكون في حفرته الجلالية صفة حديثة ، كما استحال أن تكون الأمور الحديثة

صفات قديمة ، ليس كذاته ذات ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ، ولا كحضرته

حضرة إلا موافقة ألفاظ ، - سبحانه وتعالى - علاؤه وشأنه وجدُّه عن أن يغلبه عبده أو يمانعه ملكه ،

تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا .

أتبع ذلك بما هو في معناه قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا

كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) . فتعرّف الآيات واستشهاد البينات ، ثم اعتبر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت