والإبعاد والحجب حكم مشيئته ، والحدود والأقطار حجب بريته ، والمسافة والتلقاء
مكان لسواه ، والنواحي والجهات مكان المحدثات ، والنهار والليل مسكن
المتصرفات ، والبعد والفضاء مكان المخلوقين ، والتوسعة والهواء مكان العالمين ،
والأحكام والأقدار واقعة على خلقه ، والحجب والأستار متصلة بمخلوقه .
وإلى هذا(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْسِبُونَ) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) غير متصل بخلق ولا
مفارق ، وغير مماس للكون ولا مباعد ، بل منفرد بنفسه متحد بوصفه سبحانه وله
الحمد ، كما أن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فكذلك ليس كوجوده وجود ، وليس كشأنه شأن ،
كان في أزل أزله بأسمائه ووصفه وصفاته ، وهو الآن على ما لم يزل عليه وخلق كل
شيء ، فقدره تقديرًا .
وكل وصف لموصوف في الحدث فهو مشير إليه ، وآية على وصف له هو في
القدم موجود له ، حقيقة ذلك في الحضرة الرحمانية ، ومعارف الصمدانية في معالم
الجبروت والملكوت ، كذا سبحات الكبرياء والعظمة ونزاهة القدس والجلال ، فهو
-جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه وجدَّه - يعبر بأنه في السماوات وفي الأرض ،
ومع جميع خليقته عبارة حق عن وجود حقيقة ، فهو كذلك من حيث هو لا من
حيث هي .
فأما المعلمون من المشايخ - رحمهم الله - فإنهم لم يفرغوا لتحرير العبارات العوام ، فكل
ما أتى من هذا تأوله مخافة الإيهام ، ونفوا عنه الاتباع خشية الإشكال إذ ذلك ؛ أعني:
توهم ما لا يجوز عليه معدوم عند العقول الصافية ، ونواظر البصائر الصائبة ، كيف
تشبه الخليقة الحقيقة ؛ بل كيف يماثل القدرة المقدور ؟! جل القديم الأول عن أن
يكون في حفرته الجلالية صفة حديثة ، كما استحال أن تكون الأمور الحديثة
صفات قديمة ، ليس كذاته ذات ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ، ولا كحضرته
حضرة إلا موافقة ألفاظ ، - سبحانه وتعالى - علاؤه وشأنه وجدُّه عن أن يغلبه عبده أو يمانعه ملكه ،
تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا .
أتبع ذلك بما هو في معناه قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا
كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) . فتعرّف الآيات واستشهاد البينات ، ثم اعتبر من