"إن الله ليعجب للشاب ليست له صبوة".
فيعود العجب منه - جلَّ جلالُه - للرسول والمؤمن لثبات النور في قلوبهم مع وجود ما
يضاد ذلك ، ويرجع حقيقة التعجب منه تبارك وتعالى لعظيم اقتداره على الهداية
وعميم الكفاية لعبده وإسماعه عنه وإبصاره إياه وإحيائه وإيجاده جميع صفات
الحياة ، مع وجود ما يوجب الموت ، ومن أنه الغالب على أمره ، لا إله إلا هو العليم
القدير ، فعلى هذا يكون تعجبه منه عنده - جلَّ جلالُه - وتعالى شأنه (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) .
ومن تحقق في تدبر الوجودين العالم والوحي ألقاه على هذا ، فاعلم ذلك
واعمل عليه ، ليس تعجبه - جلَّ جلالُه - من شيء لم يره ولم يشاهد مثله كتعجب عبده هذا
بعيد عن صفاته العلا ، وقد يكون"بَلْ عَجِبْتُ"بمعنى: استعظمته ذنبًا وأكبرته مقتا
لهم وهم يسخرون ، أي: يتهزءون (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ(13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً
يَسْتَسْخِرُونَ (14) . ويضحكون من آيات اللَّه ، ويكذبون البعث
وينكرون التوحيد ، وقد أعظم الله ما هو دون هذا نكاح أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعده
الداخر الصاغر .
قوله - عز وجل -: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ(19) . الزجرة
الحق هي التي تكون للبعث ، وهي صيحة تزجر كالذي يزجر الإبل ، إنما قلنا: إنها
صيحة بغضب ؛ إذ هو يوم فيه ينتقم الله - جل ذكره - ممن خالف أمره وكذب
بآياته ، والأنبياء والرسل - عليهم السلام - يقولون يومئذٍ:"إن ربنا غضب اليوم"
غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله"."
قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ(20) . يلهمون لما كانوا
ينذرونه من قبل في دار الدنيا فيجابون (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(21) .