وعلومها من كل مطلوب ، والقدرة عليه والإرادة منه .
فيه جاء أن رهطًا من يهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه عن شأن ذي
القرنين ، فاستأذنوا عليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فيم تسألوني وإنما أنا أعبد الله لا"
أعلم إلا ما علمني ربي ؟"ثم قام فتوضأ وصلى ، وقال لخادمهم:"ائذن لهم"فلما"
دخلوا قال لهم:"إن شئتم سألتم وإن شئتم أخبرتكم فيم جئتم"قالوا: أخبرنا ، قال:
"جئتم تسألوني عن ذي القرنين ، وكيف كان بدء أمره ؟ إنه كان غلامًا من الروم ،"
وابتنى مدينة على ساحل البحر ، فبعث الله ملكًا فرفعه إلى السماء ، فقال له: انظر ما
ترى ؟ فقال: أرى مدينتي وأرى مدائن كثيرة ، ثم رفعه فقال: ما ترى ؟ قال: أرى
مدينتي قد اختلطت بالمدائن ، ثم رفعه فقال له: ما ترى ؟ فقال: أرى مدينتي وحدها
ولا أرى غيرها ، فقال له: إن الذي تراه هى الدنيا ، والمحيط بها هو البحر ، اذهب
فثبت العالم وعلم الجاهل ، فقد جعلنا لك على ما ترى سلطانًا"."
ثم قال ، جل ذكره: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85) . أي: مطلوبًا له ومرادًا ما بوحي
أوحي إليه ؛ لأن الله - جلَّ ذكره - يقول: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)
وهذا هو المعنى بذلك .
يقول جل من قائل: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ...(86)
أي: سوداء ، وقرئ (حامئة) أي: كثيرة الحركة ، وهو البحر
الغربي المظلم (وَوَجَدَ عِنْدَهَا) يعني: العين (قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ
وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) . وهذا هو السلطان الذي جعل له على أهل
الأرض .
فمفهوم قوله - جل ذكره - هذا (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) أي: فإنهم كافرون(وَإِمَّا أَنْ
تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)أي: فإنهم سنخرج من أصلابهم أو يجاورونهم
قوم يعبدون الله لا يشركون به شيئًا .