فما في نبات أو حيوان أو جماد من ورقة أو ثمرة أو جزء من أجزاء ذلك كله إلا
وعليه ملائكة ، فمنهم جاذب ودافع ، ومرسل وماسك ، ومعد وقاسم ومدبر إلى غير
ذلك من الأفاعيل والفاعلين ، فإذا أتم خلقه ما شاء إتمامه وبلغه مراده فيه فجاء حينه
وأجله أهلكه إن كان نباتًا أو حيوانًا أو جمادًا أو غير ذلك ، وأمات من ذلك ما قدر
عليه الموت ، وأبقى ملائكة ذلك الموجود لما شاء ؛ لأن الملائكة عليهم السلام
منتظرون ، فإذا أنزل ما أخَّره خلق عنه ما خلقه ، وخلق معه ملائكة كما تقدم ذكره ،
ثم يعدم ما أعدم ويبقي ملائكته هكذا (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) .
فالملائكة - عليهم السلام - مع ما تقدم ذكره تقبض وجود كل ذي وجود كما
يقبض ملك الموت أرواح بني آدم والحيوان ، ويبقي بعدهم القابضون لوجود
الموجودات يبقون بعد قبض ما قبضوه ، ذلك قوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ
الْوَارِثُونَ (23) . كذلك إلى أن يعم بالموت كل حي ، ويبقى هو - جلَّ جلالُه - .
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) .
قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاه من إبليس لعنه الله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي
الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) . وفي
موضع آخر من كتابه قال: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)
ما في قوله:"رب"بما اسم معناه: رب ، فبالذي أغويتني ، يعني: من