والصديد بما هو حيثما حلَّ من الجسد فسكن فيه أفسده ورهله ، هذا معهوده
في الدنيا ، ولأنه كان من دمائهم ولحومهم فهو شرابهم ، وإليه يؤول طعامهم (يَغْلِي
فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) . وربما كان كعكر الزيت لونًا وصديدًا في الحقيقة ،
وشجرة الزقوم في جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - في مقابلة شجرة طوبى في
الجنة ، نسأل الله رحمته في يسر وعافية .
قالوا: هي أيبس من الحجر وأحر من النار حال السعير وأبرد من الزمهرير في
دولته ، تتحول في بطونهم غليانًا في السعير ونكالًا في الزمهرير ، يضطرون إلى أكلها
وإلى شراب الغسلين كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب .
قال الله - عز من قائل: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا) أي: في موجودات الدنيا(ثُمَّ
نَضْطَرُّهُمْ)فيما هو عنها ومنها (إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) .
يقول - عز من قائل: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ ...(47) . العتل: هو أن تأخذ بتلبيب الرجل
فتجره إليك (إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) وسطها (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ
عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) . هو: مطر يمطرونه من فوقهم له عذاب زائد إلى ما
هم فيه ، كما أن بركة الماء تنزل من السماء ليست لغير ذلك ، كذلك لما ينزل عليهم
مما هو بدل من ماء السماء عذاب يجدونه ليس لسواه .
لذلك - وهو أعلم - قال: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ(48)
فمن ذلك أنه يصهر به جلودهم ولحومهم ، ويضطرون إلى شربه
فيصهر به أيضًا ما في بطونهم من حشوة - نعوذ بالله من عذابه ومن جميع ما يوجبه
-ثم يسحبون فيه وقد انسلخت جلودهم عن لحومهم فيسجرون في النار ؛ أي:
يوقدون .