قدرتك على ذلك وعلمك السابق منك فيَّ ومضاء مشيئتك في ذلك بذلك أرغب
إليك ، وأسالك أن تجعل إليَّ إغواءهم ، ويكون معنى كلامه: رب بالذي أغويتني
لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين، وهذا الوجه يظهر على تأويل قوله:
(فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) . وفي قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) .
وعلى هذا فهي زعامة منه - لعنه الله - وعلى ظاهر قوله في سورة الأعراف
وسورة الحجر سؤال منه ورغبة إلى ربه ؛ لينفذ له مراده في ذرية آدم ، يقول: بما
أغويتني وأضللتني بذلك أستعين على إنفاذ ما جعلته إليَّ واستعملتني فيه من إغواء
من سبقت مشيئتك له بذلك ، والتزيين إليه كما بذلك أغويتي وأضللتني وزينت إليَّ
مخالفتك .
يقول الله جل ذكره: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41) . استقامة الصراط
ألا يكون لله شريك في ملكه ، ولا وزير ولا ظهر في تدبيره ، ولا مناقض لقضائه ،
ولا راد لأمره ، ولما سأله الفطرة وفهم أن الله - عز وجل - هو الذي زين وقدر له مخالفته
وعصيانه بدا ذلك من قول الله - جلَّ جلالُه - في قوله: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32)
الحجر: [....] سأله قدرته على ذلك وعلى تدبيره الأمر كله أن يجعل على
يديه إغواء من سبق علمه له لذلك ؛ إذ هو [...] في عباده من يسلك به سبيل
الضلال .
قال الله عند ذلك: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: إن هذا ليس بشرك في
ملكي ولا تعقب على أمري ، أنا قدرت الخير والشر والكفر والإيمان والطاعة
والعصيان ، وأكره ذلك ولا [آمر] به ، وأنهى عنه ولا أرضاه ولا أحبه ، وإنما الذي أأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وأنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، ولا [آمر]
بذلك والعالم بالشر وبالكفر ليس بشرير ولا بكافر ، إنما يكون ذلك فاعله هذا
صراط مستقيم .