يقول: (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) وذكر
الفضل هنا ، إذ كان البرزخ مدة للموت فلما أحياهم وأدخلهم الجنة الوسطى ، فذلك
فضل منه بالإضافة إلى الجنة الآخرة التي وعدهم إياها حال حياتهم الآخرة .
ثم ذكر التعزية منه لعباده المؤمنين بقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ
وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ... (22) . يقول: فلا تحزنوا
على ما فاتكم من مال أو أهل أو نفس فأنتم المؤمنون ، وكل ذلك تجدونه عندي إذا
توفيتكم .
لذلك أعقب هذا بقوله الحق:[ (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من متاع الدنيا
(وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ]في أنفسكم ، وإخباركم بجار الخطاب
إعلامكم بهذا تعزية لكم"لئلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ، فهكذا فليكن"
التعزي منا لإخواننا ، فعزى الله - جلَّ جلالُه - المؤمنين في مصائبهم بما به حج آدم موسى ،
وهي من الكلمات التي تلقاها منه .
نظم بذلك قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) . يقول - جلَّ ذكره: أعلمتكم بهذا ؛ أي:
بالدنيا وما هي وما مآلها ، وبالعوض منها وأنه خير وأبقى ، لكي لا تحزنوا على فوت
مطلوب ولا فقد محبوب ، ولا تفرحوا لوجود ذلك وحصوله ؛ إذ هو مما لا يبقى
لكم ولا أنتم تبقون له إلا أن توجهوه إلي وتدخروه عندي لكم وتحسبوا ذلك
لأجلي ، فليقل المصاب هكذا قدر هكذا قضى قبل أن أخلق فيصطبر ، وليقل المنعم
عليه: هكذا قضى ولا أدري إلى ما مآله ، وما الذي أريد بي ، وليحمد الله وليشكره ،
وليبتهل وليخف وليرح ، ثم ليلجأ إلى الله ويستغفر أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا
بالله .
قوله - جلَّ جلالُه -: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ...(25)
انتظام هذا بقوله - جلَّ جلالُه -:(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ
لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)إلى قوله: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ
آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) .
الكتاب: الهدى ، والميزان: العدل ، وكل ما أتت به الرسل فهو العدل