(فصل)
أول المصائب وأجلَّها: خروج أبينا آدم من الجنة ، ونسيانه عهد ربه إليه ، ثم
بآخره جميع المصائب التي تصيب المؤمنين في أولاد وأموال وأنفس ونحو هذا ،
فعزى الله - جلَّ ذكره - المؤمنين في مصائبهم في أجسامهم وأنفسهم بأن ذلك قد
سبق كتبه له وتقديره وما يكون عنده عوضا منه .
"وتحاج آدم وموسى عند ربهما ، فقال موسى لآدم: أنت الذي أخرجت الناس"
بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم ، قال آدم لموسى - عليهما السلام: فيكم وجدت
ذلك كتب عليَّ قبل أن أخلق قال بأربعين سنة ، قال: أفتلومني على أمر كتب عليَّ
قبل أن أخلق بأربعين سنة ، قال: فحج آدم موسى ، فحج آدمُ موسى ثلاثا"."
يقول: وقد تبت إلى ربي وفي ضمن ذلك وإني وإن كنت أولًا بخطيئي فإني
أول بتوبتي ، يرفعكم الله بالتوبة إلى رفع الدرجات ، ويرفعكم بحسن أعمالكم إلى
رضوانه والقرب منه ، فحجه ثلاث ، ولذلك كرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله:"فحج آدم"
موسى"ثلاث مرات ، وكان موضع نظر آدم إلى المؤمنين من بنيه ، وكان نظر موسى"
إلى الكفار منهم وشقاء من شقي منهم ، وإنما يعتق الله بعباده المؤمنين .
لما ذكر - عز جلاله - الدنيا فوصفها بسرعة الانقطاع ووشيك الفناء انسد
علمهم منها إلى الجنة ، فوصفها بأن عرضها كعرض السماء والأرض وأمرهم في
ذلك بالمسابقة ، وغاية المتسابقين إلى غاية يبلغونها ، وعند غاية المسابقة توجد
الغاية وهو تعريض منه - عز جلاله - بما ينزل عليه الميت حال الموت ، وهي الجنة
التي هي غيب في هذه السماء والأرض قبل أن تتبدل بغيرها ، وهي التي عبر عنها
بقوله - جل قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ
مَأْتِيًّا (61) . أي: إنهن غيب في ظاهر هذه السماوات والأَرض بمغفرة الله
ورحمته.