أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) .
نظم بذلك قوله الحق - عز جلاله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ
اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) . أي: علمت
وأيقنت بذلك ، فعملت لربي على ذلك إرصادًا لهذا اليوم .
نظم بذلك قوله - عز وجل -: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ(25)
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) . إني كنت في الدُّنْيَا ولم أدر ما حسابيه ،
ويمكن مع هذا أن يكون المعنى لعظيم الغبطة بإعطاء من أعطى كتابه بالفوز العظيم
والدخول في الجوار التكريم تمتد الأعناق اغتباطنًا لمن أوتي كتابه بيمينه ، وبيض
وجهه ويرفع قدره ، والملائكة تحف به ، ويكرمه أهل الجمع ، ويمتد له الصيت من
أجل ذلك في ذلك الجمع المشهود ، وينادى على رءوس الخلائق:"ألا إن فلانًا"
سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا"."
فيتعدى بالمجرم الحرص ، ويعطى على ما به الطمع لعظيم الإغباط بذلك ، فإذا
وقف ظهر له من عمله ما يستوجب به الحرمان والخلود في النيران ، فيسود وجهه ،
وتزرق عيناه ، ويشوه خلقه ، ويعطى كتابه بشماله الذي ورد عمله من جهته ، وينادى
به على رءوس الخلائق في ذلك الجمع المشهود:"ألا إن فلانًا شقي شقاوة لا"
يسعد بعدها أبدًا"فيحيق به من الخزي والهون ، ويلعنه أهل الجمع ، ويعتل إلى"
الجحيم .
(فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ(25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)
أي: يا ليت الموتة التي متُّها لم أبعث منها ، فإنه يومئذٍ يشيع عند
أهل الجمع من الغبطة بلقاء الله ما القلوب اليوم عن توهمه في غفلة ، ولذلك لا
يذكر - جلَّ جلالُه - لقاءه إلا بلفظ الرجاء حيث ما ذكره ، ثم يندب نفسه فيقول: (مَا أَغْنَى عَنِّي
مَالِيَهْ (28) . إذ لم أنفقه في مرضات الله ولا توصلت به إليه .
(هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ(29) . قد كان لي فيه متبلغ إلى رضا ربي لو
عملت فيه (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24) . هذه .
(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)