للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي: استوى نبوة وحلمًا وعلما وحكمًا ، ولما استوى نبوة وعلمًا أسري به
إلى السماوات العلا وإلى [سِدْرَةِ] الْمُنْتَهَى إلى أن استوى للمستوى حيث سمع فيه
صريف الأقلام في الأفق الأعلى ، وهذا وصف أعني (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى(7) . لجبريل
ومحمد - صلى الله عليهما وسلم .
بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله وقد فرغ من وصف لقيا الأنبياء - عليهم السلام -
ومن وصف البيت المعمور على ظهر السماء السابعة ولقاء إبراهيم - عليه السَّلام - فيما هنالك
قال:"ثم رفعت إلى [سِدْرَةِ] الْمُنْتَهَى"إليها ينتهي ما ينزل به من علو فيتلقى هنالك
وإليها ينتهي ما يصعد به من سفل فيتلقى هنالك قال:"فرفعت حتى ظهرت لمستوى"
أسمع فيه صريف الأقلام"."
عبر عن حاله هذه القرآن بقوله الحق: (ثُمَّ دَنَا ...(8) . من الدنو (فَتَدَلَّى)
وهذا وصف لمصعد صعب لا يرتقي فيه إلا بمعونة زائدة وأيدٍ من الله محدد ، ويمكن
أن يقدر هنا محذوف ، وهو: ذكر الدنو ثانية ، فكأنه قال: ثم دنا فتدلى فدنا ، ويمكن
أن يكون تقدير القول: ثم تدلى فدنا ، ويمكن أن يكون المعنى: فتدلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فدنا الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، لأنه عز ذكره يوصف بالدنو ولا يوصف
بالتدلي ، إنما التدلي وصف للمخلوق .
يقول الله - جل ثناؤه: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9) . الله أعلم ما هو
الدنو ، قاب القوس: ما بين السيَّتين ، وقيل قاب القوس: ما بين القبضة والوتر منه ،
وقيل: لكل قوس قابان فمن القبضة إلى السيَّة قاب ، ومنها إلى السيَّة الأخرى قاب ،
والعرض يعرف هذا القرب والمتقرب منه وقد علمنا أنه - جل ثناؤه - القريب لا
أقرب منه فما معناه وما المراد به .
وقد تقدم أن القرب قربان: قرب خلقة ، فهو أقرب إلى كل موجود من نفس
ذلك الموجود ، وأقرب إلى العين من القوة الباصرة ، وأقرب من الروح إلى حامله ،
ومن حياة الحي إلى الحي ، وقرب آخر هو: قرب ولاية ، هو أغرق في وصف