نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ(33) إلى قوله: (الْغَرُورُ)
قرئ بفتح الغين وضمها ، والمراد بالفتح: اسم الشَّيطان كان من الجن أو من الإنس ،
فهو غَرُور ، وبالضم: فهو فعل للغَرَر مِن غَرَّ يَغرّ غزورًا .
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...(34) . إلى آخر السورة ، رجع
الكلام إلى معنى وصف الله بالوجود العلي في أثناء السورة ، يقول - جل من قائل:
(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: على التوقيت والتحقيق ألا يعلم من خلق ، وقد
أعلمنا بأشراطها وأمارات اقترابها ، لكنه قال: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)
ولما أعلمنا به من الأشراط والأمارات قال: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) فمعنى
المقاربة يحصل بين هذين المعنيين ، لم يعلمنا بيوم وقوعها ولا ساعة يومئذٍ ، ولولا
ما أعلمنا به من الأمارات لم نعلم من شأنها شيئا .
ثم قال: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) أخبر عن قدرته ومشيئته ، فإن أحدًا لا
يقدر على ذلك ولا يعلم متى يشاؤه ، وقد جعل على ذلك أيضًا أمارات وعلامات
كأيام الشتاء دون أيام الصيف على الأكثر والأغلب ، وكذلك مطالع الأنواء في
مجرى العوائد لفتح الله برحمته على عباده عند ذلك على الأغلب ، والله يفعل ما
يشاء كقول رسول الله - صلوات الله عليه وسلامه:"إِذَا أَنشأت بَحْرِيةً ثمَّ تشاءَمَت"
فتلكَ عينٌ غُدَيقَة"ولا يكون غيثًا إلا في أوانه وعند الحاجة إليه ."
وكذلك قوله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) أنبأ جل ثناؤه - عن
علمه وخبره بما في أرحام النساء وأرحام الأرض وغيابات الغيوب ، وإن كان قد
جعل على بعض ذلك علامات وأمارات تعرف بعد تجارب وامتحان ، وإن كانت