فهرس الكتاب

الصفحة 2784 من 2809

منوعًا بمزيد علم وموجود فهم لربنا من آياته .

نظم بذلك قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ(4) . هذا جواب

القسم ، الكبد: المشقة ومكابدة آفات الزمان ، والخصوم يكابد بعضهم بعضًا ، أي:

يشاق بعضهم بعضًا ويقاسي بعضهم من بعض مشقة ، وإلى هذا فإن معنى الكبد:

المشقة ، ومقاساة الإنسان ما يكابده طول حياته من بلاء ورخاء وشدة ودعة وصحة

وسقم ، ثم بعد هذا كله الموت ، ثم مقاساة ما هو بعد الموت طول البرزخ ، ثم بعده

الحياة الآخرة بما بعد ذلك .

والمقصود: إثباته أن الإنسان لم يخلق لحال واحدة يكون عليها أبدًا ، بل يكون

مختزنًا في خزائن السماوات والأرض ، ثم في الماء ، ثم في النبات ، ثم ربما في

الحيوان ، ثم في المني ، ثم في البطن ، ثم مولودًا ورضيعًا وصغيرًا ، ثم شابًّا ، ثم

كهلًا ، ثم شيخًا ، ثم هرمًا ؛ إن لم تعاجله المنايا وهو حي في هذه الأحوال كلها ، ثم

تحول عليه أحوال أخر بالموت وما بعده ، ثم بالإحياء والنشور والحشر والوقوف

وما بعد ذلك فهذا أولى وليس بمدافع لما تقدم ، بل هو متمم له لذلك ، وهو أعلم .

أتبع ذلك: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5) . فلا يعيده بعد موته .

نظم ذلك بقوله: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا(6) . قيل: إنها نزلت والتي

قبلها في رجل من بني جمح كان يقول:"أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا"ولا

نترك معنى كتاب ربنا المسرود حكمته لحكايات لعلها لا يصح لها وجود ، ولو صح

وجودها لم يصح أنه أنزل الله هذا الخطاب في شأنها إلا أن يوقفنا على صحة

كتاب الله أو سنة رسول الله ، والمعهود من خلق الإنسان بما هو إنسان الدعوى ، فهو

ينفق في شهواته وإنفاذ لذاته ، فإذا ذكِّرَ بلقاء الله سلم تسليم جدل وأظهر الفرع إلى

ما أنفقه من مال ، أو ما عمله من عمل يشبه سنن الصلاح ، كإطعام الطعام وقِرَى

الضيفان وصلة الأرحام وإصلاحٍ ، وتحمل حمالة واحتمال أذى ونصر مظلوم ووفاء

بعهد .

وكان من أمثال هذا في رجال كثير من الجاهلية ، لكنها كانت أعمالًا ضائعة ؛ إذ

لم تكن على إيمان وتوجيه لله - جلَّ ذكره - على تصحيح نية وسنن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يأمرهم عن الله وينهاهم ، فكان أحدهم يفرع إلى مثل هذه الأعمال ، وربما عملها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت