الدنيا كما تغرق أهل الدنيا فيما هاهنا بذنوبهم ، ثم يدخل الاعتبار بعضه على بعض ،
لذلك وهو أعلم قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) إلى قوله - عز من قائل:
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) . أي: فيما
هنالك .
وقال: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ(32) . نظم بذلك ما هو
كمال للعبرة قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35)
عطف بالواو في قوله: (وَيَعْلَمَ) والله أعلم بما ينزل ، على محذوف
من ذكر ما هو معلوم لكل صبار شكور ، بذلك تبين للصبار الشكور ما هو في
مقابلته ومناله فيما هنالك .
ثُمَّ قال: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا) ويكذبون بها غدًا فيما هنالك إذا
اضطروا إلى ذلك العذاب (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) كما قال:(ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى
عَذَابٍ غَلِيظٍ)ومن قرأ"ويعلمَ"بالنصب من يعلم ، فتقديره: ذلك من
آياتنا في الدنيا على ما في الآخرة من أمثالها ليعلم ذلك ، وأنهم ما لهم عن ذلك من
محيص .
كما قال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)
إلى قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) إلى قوله: (وَيَرَى
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ (6) . سبحانه وله الحمد ، كما كتب في الذكر كل شيء هو كائن فأخرج
المكتوب كله على وفق ذلك ، أنزل كتابه فخبر بما هو في الآخرة كائن ، فيخرجه لا
محالة على وفق كتابه ووحيه وإخبار رسله وإعلامهم ، ليعلموا في الآخرة أن الذي
بلغتهم الرسل والكتب حق ، كما علم أهل العلم والعبرة كائنات ما سطره في
الكتاب المبين أنها كائنة ، فليسمع من له أذن سامعة (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ
عَابِدِينَ (106) .
قوله تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...(36) . انتظم
هذا بمعنى ما تقدم من قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)
المعنى: وهي كلمة جامعة لموجودات الدنيا خلا ذكر الله وما أدى