قال الله - عز من قائل: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) ولما تقدم ذكر
الإعادة وإثباتها وإنكارهم لها نظم أول هذه السورة بما جرى في التي قبلها قوله:
(أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40) . أليس قد (أَتَى عَلَى
الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) . يقول: فأوجدناه من
عدم وصورناه على غير مثال ، فكيف تنكرون إعادته بعد هذا ؟ .
ثم جعل يخبر بصدق قيله عن خلقته بقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ
أَمْشَاجٍ ... (2) . جمع مج كخلط وأخلاط (نَبْتَلِيهِ) أي: لنَبْتَلِيه هذا إخبار منه عن خلقه
آدم - عليه السَّلامُ - ثم عن خلقه بنيه من بعده بالتبعية ، يقول: مشج الأمشاج بحكمته وأثار
الكون إلى الصورة والتخطيط والتقدير ، وإصارة الأمشاج إلى مقصود الخلقة من
العدم من حيث العبد ، والأمشاج هنا: هي ممزوج الفيحَين مع الفتح مع المقصود
بالمشيئة إلى معاني اليمين أم إلى معاني الشمال ، جمع ذلك كله صنع الصانع وخلق
الخالق ، وهذا المعني بقوله الحق: (نَبْتَلِيهِ) ثم قال: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2) .
لما كان في ممتزج الأمشاج مقتضيات الحق المخلوق به السماوات والأرض
وما بينهما ، وكان هو مما في أمشاج ذلك جعله سميعًا بصيرًا عالمًا قادرًا مريدًا ، ثم
إلى أنهى الأسماء والصفات ، وكان أيضًا جاهلًا ، أعمى ، أصم ، عاتيًا ، قاسيًا ، ثم
ابتلاه بالأمر والنهي في المأمور والمنهي ، وكان معنى الكفر والإيمان وجميع
المأمور به والمنهي عنه في أمشاج ما خلقه منه ، كما أنه لما مشج بأمشاج أبيه
وأمشاج أمه أشبههما ، وكان أقرب شبهًا بمن غلب عليه منهما ، كذلك أشبه ما يكون
عنه من فيح أو فتح ، وإلى أيهما مالت به المشيئة العالية كان أقرب شبهًا ، ثم إليه
الأمر من قبل ومن بعد في تغليب مشيئته بالهداية أو الإضلال .
لذلك يقول - عز من قائل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) .
يقول الله - جل من قائل: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ
فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) . أي: في أول