فهرس الكتاب

الصفحة 2704 من 2809

قال الله - عز من قائل: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) ولما تقدم ذكر

الإعادة وإثباتها وإنكارهم لها نظم أول هذه السورة بما جرى في التي قبلها قوله:

(أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40) . أليس قد (أَتَى عَلَى

الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) . يقول: فأوجدناه من

عدم وصورناه على غير مثال ، فكيف تنكرون إعادته بعد هذا ؟ .

ثم جعل يخبر بصدق قيله عن خلقته بقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ

أَمْشَاجٍ ... (2) . جمع مج كخلط وأخلاط (نَبْتَلِيهِ) أي: لنَبْتَلِيه هذا إخبار منه عن خلقه

آدم - عليه السَّلامُ - ثم عن خلقه بنيه من بعده بالتبعية ، يقول: مشج الأمشاج بحكمته وأثار

الكون إلى الصورة والتخطيط والتقدير ، وإصارة الأمشاج إلى مقصود الخلقة من

العدم من حيث العبد ، والأمشاج هنا: هي ممزوج الفيحَين مع الفتح مع المقصود

بالمشيئة إلى معاني اليمين أم إلى معاني الشمال ، جمع ذلك كله صنع الصانع وخلق

الخالق ، وهذا المعني بقوله الحق: (نَبْتَلِيهِ) ثم قال: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2) .

لما كان في ممتزج الأمشاج مقتضيات الحق المخلوق به السماوات والأرض

وما بينهما ، وكان هو مما في أمشاج ذلك جعله سميعًا بصيرًا عالمًا قادرًا مريدًا ، ثم

إلى أنهى الأسماء والصفات ، وكان أيضًا جاهلًا ، أعمى ، أصم ، عاتيًا ، قاسيًا ، ثم

ابتلاه بالأمر والنهي في المأمور والمنهي ، وكان معنى الكفر والإيمان وجميع

المأمور به والمنهي عنه في أمشاج ما خلقه منه ، كما أنه لما مشج بأمشاج أبيه

وأمشاج أمه أشبههما ، وكان أقرب شبهًا بمن غلب عليه منهما ، كذلك أشبه ما يكون

عنه من فيح أو فتح ، وإلى أيهما مالت به المشيئة العالية كان أقرب شبهًا ، ثم إليه

الأمر من قبل ومن بعد في تغليب مشيئته بالهداية أو الإضلال .

لذلك يقول - عز من قائل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) .

يقول الله - جل من قائل: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ

فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) . أي: في أول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت