تقدم الكلام في الاعتبار بالفلك جارية في البحر بنعمة الله ، أو إهلاكها بانتقامه وأن
طريق ذلك هو أن يفرض الفلك توهمًا مناب جميع المخلوقات عُلُوًّا وسفلًا ، وأنها
تجري لأعلى مخلوق ؛ إذ الماء الذي تجري عليه ليس من الفلك ، بل الأمر مكتنفها
وعامدها وأن وزان خدامها وملاحيها وزان الملائكة في إقامة الملكوت وتحصين
بماسكه بإذن ربهم ، ووزان المسافرين فيها الذين لأجلهم أنشأت الفلك وزان
المكلفين المأمورين المنهيين الذين من أجلهم خلق السماوات والأرض وما بينهما ،
تعبر بهم من غربتهم إلى قرارهم ، ومن غيبتهم إلى حضورهم ومشاهدتهم ومساكها ،
ومدبر أمرها في أعلاها يأمرهم بأمره فينفدونه ويسمعون له .
ثم قد يصرف الاعتبار إلى أن تكون آية على قطع المؤمن أيام الدنيا ، فالدنيا
هي البحر والسفينة جسمه ، وباطن العبد هو المحمول فيها ، والعقل صاحب
لياصتها ، والقوى خدمتها ، وأمر الله وتدبره محيط بها ، والإيمان أمنتها ، والتوفيق
ريحها ، والذكر شراعها ، والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه ، والعمل الطيب
يصلح شأنه ، ثم قد يفرق الاعتبار إلى قوله - عز وجل -: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) . وقد تقدم
ذكره .
يقول - عز وجل -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(25) .
قوله - جلَّ ذكره: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)
وَالإِكرَامِ) عم في هذه الآية آلاءه بقوله هذا ؛ إذ كل من