ثم أهل الزكاء والطهارة من المؤمنين والمؤمنات ، ويكون هذا في المعنى كقوله:
(الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)
على معنى أنه ليس كفؤ الزاني إلا زانية مثله أو مشركة ولا كفؤ الزانية إلا زانٍ مثلها
أو مشرك .
ويتصل معنى هذا بمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"
دلَّ على هذا التأويل قوله:"لَا [يَنْكِحُ] "و"لَا يَنْكِحُهَا"بالرفع ولم يجزم ، فظاهر هذا
الإعلام والإخبار ، وقد جاء ذكر التحريم بعد هذا في قوله: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ (3) . أي: الزنا ونكاح الزانية والمشركة جميع معاني ما تقدم في
قوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26) .
(فصل)
كان من كريم لطفه - جل ذكره - أن قدر بأن يكون الإفك في موضع زكاء
وطهارة وكان إفكًا ، فوسع العقاب والتوبيخ لمن أصغى إليه ، والوعيد والتهديد
للذين من إرادتهم إشاعة الفاحشة وتنقص المؤمنين ، ووسع مع هذا صدق قول الله
-جلَّ جلالُه -: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ
الْكَاذِبُونَ (13) . فهؤلاء كاذبون لو جاءوا بالشهداء لكانوا شهداء زور؛ لزكاء
المقول فيه وبراءته من قبيح مقالهم ، وبالغ مع ذلك في الموعظة والنهي عن العود
إلى مثلها والإيذاء في ذلك والإعادة ، واندرج حماية سائر المؤمنين والمسلمين في
ظل ذلك ، كما قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20)
ثم لا بد أن يكون فيمن دخل في عام الإيمان وشمله ظل دين الإسلام
من نزول عن كمال الطهارة والزكاء إلى خيانة وسرقة وغير ذلك ، والله يحب
المتطهرين ويحب المحسنين .
فأنزل على أثر ما تقدم ذكره في نحو ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ... (27) . وفي قراءة