(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ثم أحال على ما علا من الأفلاك
وجمع الكل من الأفلاك بقوله: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وهذا الفلك
هو الفلك الأعظم ، جمع الله فيه أمره الخاص به وأمر ما دونه ، فهو يستدير بأمره
ويستدير ما دونه من الأفلاك باستدارته ، كل بأمره الخاص به وبما عمه .
قال الله - عز من قائل: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) فكل
يعمل بخاصته وبما عم مما هو دونه من الأفلاك كلها حية بحياة الإيمان ، تعبد ربها
وتقنت له وتسلم مسخرة بأمره ، والملائكة الموكلون بالأفلاك أحياء بحياة الخلقة
وحياة الإيمان معًا على جميعهم السلام ، هذا إن كان الأمر المقضي من الله - جل
ذكره - في السماء ، فإن كان من فوق العرش فعلى ذلك أيضًا الأول سبب أول لما
حواه ، والثاني كذلك لنفسه ، وكل ما دونه هكذا إلى منتهى الأمر .
ولما كان الأمر كله لله - عز وجل - دون من سواه قرعهم بقوله الصدق:(أَمْ لَهُمْ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)فيخصوا بالرحمة والإنباء والرسالة من شاءوا إن
كان ذلك لهم كذلك (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) أي: إن ذلك ليس هو إلا
لمن له الملك كله والأمر كله في السماوات والأرض ، وفيما بين ذلك فإن الذين قد
أجرى الملك الحق على أيديهم الأسباب لا يملكون شيئًا ولا يستطيعون سوى ما
يأمرهم به ويقدرهم عليه .
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ
وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) .
أتبع ذلك قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ(11) . أخبر - جلَّ جلالُه -
عما هو كائن قبل كونه ، وأنهم - أي: جند - هو فكان أول جند مهزوم منهم جند
غزوة بدر ، ثم انبسط صدق الحديث على جنود كثيرة في وقائع مختلفة وقوله:(مِنَ
الْأَحْزَابِ)أي: ألحقهم بالأحزاب قوم نوح وعاد وثمود وقرون غيرها كثيرة .
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ(12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) اصْبِرْ عَلَى مَا