عبر عن هذا بقوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ(17) صُمٌّ
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) . هذا مثل مضروب [لليهود] ، ويصلح أيضًا
أن يكون مثلًا للمنافقين بوجه ما .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَفَرُوا (102) . إلى آخر المعنى .
وصفهم - جلَّ جلالُه - بالرجوع إلى أوليتهم مع آل فرعون وما جرهم إلى ذلك من فعل
السامري ، ونبذهم الكتاب والنبوة ، فذلك من عمل السحر واتباع سبيل الشيطان ،
فإن الله - جلَّ جلالُه - لما عزل أباهم المبلس الملعون عن عمل الملائكة عليهم السلام ،
وأبعده عن جواره والعمل بأمره عوضهم من ذلك التزيين والتخييل والإيجاس ،
وتغيير خلق الله - عز وجل - كما قال:(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)فتركوا بذلك ما كان هداهم اللَّه إليه من
الصراط المستقيم إلى قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) لا يعني: السحر(مَا لَهُ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
كما قال عز من قائل: اذهب (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ(18) .
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .
يقول في مفهوم الخطاب: فكيف يزعمون أنهم أولياء الله من دون الناس ، وأن
الجنة خالصة لهم من دون من سواهم وهم في [هذا] الشقاق البعيد ؟
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
التلو: التابع ، يقول: تركوا كتاب الله - جلَّ جلالُه - وهدى الإيمان بما اتبعته الشياطين على
ملك سليمان ، وعلى ما أنزل على الملكين ، فإنهم راموا منقض الأمرين: أمر سُلَيْمَان