والملكين عليهم السلام ، بزعمهم من كذب عليهم وسحر زعموه لم يأذن الله به .
وقد برَّأ الله جلَّ ذكره سليمان - عليه السلام - وملكيه هاروت وماروت - صلوات الله
وسلامه عليهما بقوله الحق جل قوله:(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)وإنما كان سليمان - عليه السلام - قد ملكه الله ملكًا
معجزًا جعله آية على ملك أهل الجنة لم يؤته أَحدا من بعده فكان يستسخر الجن
ويلزمهم السجون ، ويأخذ على بعضهم المواثيق على ألا يطغوا بالإنس ، ويقتل
البعض منهم ، وينفي البعض إلى أطراف الأرض وجزائر البحور ، ويلزم البعض
وظائف السخرة ليشغلهم بذلك عن الإضرار ، وليبقي الله - جلَّ جلالُه - نفع ذلك لعباده .
كان كذلك إلى أن توفي - عليه السلام - قالوا: وكان من حيث يرونه لا يصلون إلى مكانه
ذلك مدة من الزمان قائمًا على منسأته مدة من الزمان إلى أن بعث الله دابة الأرض
إلى منسأته ، فعملت فيها حتى وهت فخرَّ ، فعلموا بذلك أنه ميت ، فتفرقوا وأراحوا
أنفسهم مما كانوا فيه من العذاب ، بنحو هذا ذكر المفسرون والله أعلم بصحة ما
قالوه .
والمراد من الحديث في القرآن وسياق معناه: إعلام الله عباده بأن الجن لا
يعلمون الغيب ، والذي يمكن كونه من ذلك أنه توفي - عليه السلام - واستمرت السخرة
والعذاب عليهم ، وخفي عليهم موته حتى دلهم على موته المنسأة قد قطعتها دابة
الأرض .
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (فَلَمَّا خَرَّ) يمكن أن يكون المعنى بذلك الأمر القائم
الذي كانوا يلتزمون السخرة بعد الوفاة من أجله ، ويمكن أن يكون خرَّ هو ميتًا كما
ذكروا ، والله عليم حكيم .
فالأظهر - والله أعلم - أن ذلك كان لهم علامة جعلها لهم ؛ ليتصل بهم كمال
السخرة ، وكيف كان يكون هذا القائم - عليه السلام - ومن سنة المرسلين التدافن ، فلما خرَّ
ذلك العلم استدلوا بذلك على موته - عليه السلام - بل كان شأن ملكه ظاهرًا قائمًا كما تركه
حتى خرَّ كناية عن انهدامه لأمر ، وخلاف خلف على ما سيأتي ذكره إن شاء الله
تعالى .