ثم قال - عز من قائل: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ...(24)
إظهاره البرق آية على جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - لأنها تفيح بنفسها والبرق
من وجود نفسها الناري في أجواء الهواء فتصدمه ؛ أي: النفس رحمة الله بالرياح
اللواقح للسحاب والماء الكائن عن فتح رحمته ، فيشتمل السحاب على ما في
الجو من إثارة ذلك المعنى الناري ، فتخرجه الملائكة - بإذن الله - بروقًا
وصواعق ، وتخرج حقيقة نفسها رعودًا ، لذلك قال (خَوْفًا) أي: من الصواعق ومما
هي عنه لمن غفل عن ذلك (وَطَمَعًا) في فتح رحمته .
ثم قال: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)
عرض بذكر الجنة بما تخرجه من الأرض بالماء من نبات (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا(16)
زائدًا إلى ما تقدم ذكره من آياته بذلك من إحيائه الموتى إلى غير ذلك ،
لذلك قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(24) .
ثُمَّ قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ...(25) . صرف وجه
الدلالة - والله أعلم - بما ينزل إلى قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) به
بماسك الملكوت معه ، وقام كل شيء في السماوات والأرض وما علا وما سفل به ،
هو (الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ولا يضل ولا ينسى ، وله
كل شيء ، هو خالقه ومدبره ومقدره تقديرًا .
ومن أمره أنه (إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ(25)
وكما أنه إذا دعاكم منكم إليه إذا أنتم خامدون ، كذلك إذا دعاكم منه من أمره وعلمه
وقدرته ومشيئته إليكم إذا أنتم تخرجون فطرًا وبدءا وبداءً وخلقًا(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)فافهم .
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3)
كما قال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً