إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...(36)
ويفرحون بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آمنوا بالكتاب الذي أنزل إليهم ، ثم آمنوا بهذا
القرآن .
قالوا: هم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، وكان هؤلاء يوم أنزلت هذه
السورة على دين آبائهم في خيبر والمدينة ، وكان إنزالها بمكة ، والذي يعم هؤلاء
وهؤلاء هم الذين آتاهم الله كتابه وأورثهم إياه وأفهمهم وحيه ، فأطلعهم بذلك على
ما خفي على سواهم كثير مما أنزل على رسوله ، فهم الذين يفرحون بما آتاهم الله
من فضله ، دل على هذا التوجيه قوله جلَّ قوله: (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ)
ولو عنى بذلك الأحزاب الكفرة لقال من ينكره: وإنما أنكر بعضه قوم
من فرق الإسلام أنكروا كثيرًا من معانيه ، وهم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ،
وإن كثيرًا من فرق المسلمين لمن ينكر ما لم يبلغه علمه منه ، وذلك أكثره .
أتبع ذلك قوله عز من قائل: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) أي:
على ما علمت من وحيه وكتابه وما لم أعلم ، كما قال المرضيون:(آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَبِّنَا).
(وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) أرجع جل ذكره وجه
الخطاب على المشركين .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ...(38)
كما قال جلَّ قوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى)ومثله كثير ، أعلم بأن هذه سنته أنه لا يرسل إلى البشر
إلا بشريًا كما قال جل وتعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ
لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) . لحكمة بالغة له جل ذكره في
ذلك .