الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قيل: هي الجاهلية التي بعث عليها إبراهيم - عليه السَّلام - .
أتبع ذلك قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الإيمان
الحق هو القول والعقد ، إنه لا يفعل فعل الله إلا الله - جل ذكره - وأنه ليس
للفاعلين سواه فعل بأنفسهم ، إنما يفعل ذلك الله - جل ذكره - ودلّ على ذلك من
جعله في النار ولم تحرقه ، لقوله - جلَّ جلالُه - لها: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)
إنها لا تحرق إذًا إلا بإذن يؤذن لها كما كفت عن الإحراق بإذن يؤذن
لها فيه ، وإنما يخلق الحرق فيها عند مباشرتها الأجسام ، وكذلك السيف لا يقطع إلا
بإذن ، وكذلك الخبز لا يشبع إلا بأن يخلق الله الشبع لآكله والماء كذلك ، والعقاقير
لا ينفذ عنها المعهود منها إلا بإذن من الله لها في ذلك .
وإذا كان ذلك كذلك فليس على التحقيق يفعل الفاعلون ولا يشأ المريدون
ولا يقدر القادرون إلا بإذن من اللَّه في ذلك ، وفي ذلك من الآيات أن الله يحمي من
يشاء ويكرم من يشاء ، ويظهر على يديه من المقدور والغائب ما شاء ، وذلك لا
يكون إلا لأهل الإيمان المحقق ، وذلك شرط في وجود ذلك .
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) .
ثم أتبع ذلك ما آتاه في الدنيا من حسنة ، وأنه آمن له لوط - عليه السلام - فهاجر إلى ربه ،
وأنه وهب له إسحاق ويعقوب إلى قوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(27)
جزاءً لصبره على الجهاد ، وثباته على محن الفتن ، قال الله - جلَّ جلالُه -:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا . . . . ) .
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ