مَلَكٌ ... (50) . جعل جل ذكره من آياته على صدق ما جاء به كونه ليس
عنده خزائن الله ، وهو على ذلك يشير الماء من بين أصابعه ، ويدعو بالمطر الجود ،
ويشير إلى السحاب السماء يمنة ويسرة ، فتنجاب استجابة لإشارته بيده هكذا
وهكذا ، ويجعل به قليل الطعام كثيرًا إلى غير ذلك من آياته من هذه الجهة .
وبكونه من البشر وليس بملك ، وهو على ذلك عليه هدي الملك سمتا ووقارًا ،
وخيرًا وعبادة ، وتقوى وخشية لربه واستجابة له ، والملائكة تتنزل عليه - على
جميعهم سلام الله ورحمته - بالذكر والوحي ، والنصر والولاية والمحبة ، وبأنه لا
يعلم الغيب ، وهو بذلك يخبر بالغيوب وينذر المنذرين ويبشر المبشرين ، ويُنزل
عليهم الخبر من السماء ، ويخبر ما كان وما يكون ، ويتلو كتاب الله - جلَّ جلالُه - ، وكلامه
الحكيم ينزل عليه من لدن رب العالمين إلى الروح القدس ، إلى الروح الأمين إلى
قلبه المقدس المطهر ، إلى لسانه الصادق قرآنًا عربيًا أعجز الثقلين وبهر العرب
والعجم ، فكان تعريه من أوصاف الملائكة - عليهم السلام - وعلم الغيوب
وخزائن الله مع موجود ما يوجد عنده من ذلك أدل دليل ، وأعرب شاهد بالحق على
علم .
حقق ذلك بقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) لذلك قال - عزَّ من قائل -
وقوله الحق: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) هو البصير المعني بهذا النعت هاهنا ، والأعمى هو سواه من ليس بنبي ولا رسول ، وأغرقهم في العمى من كذب
وعتا ، ثم يسري نور البصر في كل من آمن واهتدى هم درجات عند الله ، ختم ذلك
بقوله الحق: (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) يريد فيما تقدم ذكره .
قوله عزَّ من قائل: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ...(53) . الكاف للتشبيه ،