فمن لم يكتسب اليوم علمَا لنفسه بقي غير عالم حتى يموت ، ثم إن هو أدخل
الجنة بقي في أول درجة منها متخلفًا عن درجات العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ،
يدخل الجنة إن شاء الله فلا يجاوز أول درجة منها .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181)
وقد قال مثل هذا في قوم موسى - عليه السَّلام - بعدما كان استاق ذكر هذه
الأمة من لدن قوله جل قوله:(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)إلى قوله جل قوله:(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ . . . )فجاء من ظاهر هذا الخطاب الكريم أنه لا
هداية لأحد من الناس كائنًا من كان إلا باتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقد كان قبل هذا يرسل الله - جلَّ جلالُه - النَّبي إلى قوم خاصة أو أمة معهودة عنده كما
قال - صلى الله عليه وسلم -:"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت الى الناس كافة"وفي أخرى:
"بعثت الى الأحمر والأسود"وجاء هذا الخطاب معرفًا في العموم .
قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ) فيحتمل أن يكون المراد بهم
الجن ، وقد ذكرهم في القرآن في مواضع ، وإيمانهم بالقرآن وبمن جاء به
واهتداؤهم .
قيل: هذا الكتاب ، وإن فيهم المهتدي ومنهم الضال ، ويمكن أن يكون المعني
به قومًا في أطراف الأرض حيث أظلم الكفر وعمَّ الضلال إلا مَن هدينا ، فإنه كما
يوجد في أقطار النبوة ومواضع الهداة والهدى كفار ومنافقون كذلك لا يبعد أن
يكون في مواضع الضلال والكفر هداة يهدون بالحق يعدلون به في حكمهم ، وربما
قضوا بالحق وحكموا به ، ويعدلون به أيضًا عن الحق كما يهتدي بالكتاب والنبوة ،
ويعدل بهما الضلالة والكفر (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا
يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) .