(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) .
(فصل)
قد تقدم أن المعهود المتقرر الهداية بالكتب والنبوة ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة ، وإلى الأحمر"
والأسود"."
فمن المعلوم أنه - جلَّ جلالُه - عم بالنبوة والأنبياء العالم كله إلا في القرط ، كـ يأجوج
ومأجوج وأمثالهم ، وإنه قد جاء في كتاب"النبوات": إن الأنبياء قد بلغتهم وأنبأْتهم
بما يكون منهم في خروجهم ، ثم ما يكون من هلاكهم وخوطبوا بذلك .
وبالجملة: فإن الإنباء والنبوة فيما هنالك وما قاربهم ، وفي أكثر الأقطار
المحيطة بالمعمور غريب قليل ، وأما سَننه. . . وسيره فظاهره ذلك ولو كان ذلك
كذلك لكان غريبًا ذكرًا وخبرًا ، وقد نرى مع لزومها فيما هَاهُنَا وشياعها عموم
النسيان ، وحلول الغفلة ، واستيلاء القسوة على القلوب ، فكيف بأُولَئِكَ ؟ .
وذكر الله جل ذكره قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181)
منتظمة بالمجاورة بقوله جل قوله:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
بِهَا)فالظاهرا أن الحق المعني في قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)
هو الحق المبثوث في العالم في السَّمَاوات والأرض الذي
فطرهن الله عليه ، وهو المتصل بإيمان الفطرة ، وهو الإيمان الذي يتحصل بالنظر
والفكر والتذكر ، وما دلت عليه دلائل المصنوعات ، وسندت به ضروب الآيات ،