حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)
طرق استدراج الله - جلَّ جلالُه - العبد كثيرة خفية ، ولذلك قال:
(مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) والمؤمن يعلم من ذلك ما علمه الله ، فاحذر استدراجه
بالنعم وبالعلم ، وبالنقم وبالجهل ، وبالعوافي وبالبلاء ، وبالأهل وبالمال ، وبالولد
وبالجاه ، وبالثناء وبعد الصيت ، وبالأتباع وكثرة الغاشية ، واستعذ بالله من شر نفسك
وشر كل ذي شر .
قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ...(48)
يعني يونس - عليه السَّلام - ، أي: اصبر على ما يقولون من مجنون وشاعر وساحر وغير ذلك ،
ولا تضجر كأخيك يونس - عليه السَّلامُ - وذكر سجنه له في بطن الحوت ، إذ ترك عمله لربه ،
وأبق إلى الفلك المشحون ، المكظوم: المغتاظ الحزين ، هذا وصف حاله في بطن
الحوت .
(لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(49) .
العراء: الأرض التي لا ينبت فيها البعيدة من الأَنيس .
ثم أنبأه عن غيظ قلوب الكافرين وشدة عداوتهم وحسدهم بقوله: (وَإِنْ يَكَادُ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... (51) . أي: يزيلونك عن مكانك كما قال:
(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) أي: يوقعون بهم نكالًا .
(وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ(51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)
أرجع الخطاب في آخر السورة إلى أولها قوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) .