وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) . وهذه ثلاث كلمات
عليهن دارت معاني ما جاء من بعدهن ، فلا يخلو الخطاب بعد هذا من أن
يكون في معنى الأمر بالاتباع ووصف ما أنزله ، والدلالة على الله جل ذكره ،
والدعاء إليه ، والتحذير من اتخاذ أولياء من دونه ، ووصف ذلك ولما يتبعه
والتذكير والنصيحة ، وما اتصل به وهو مفصل من محكم .
قوله جل قوله: (المص(1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ). حتى انتهى
الخطاب إلى معظم الذكر والعلم من ذكر الأسماء الحسنى ، وهي بما هي تشير ، بل
تعرَف بالصفات العلا والصفات تعرِّف بالموصوف ، وكما تدل أيضًا على
الأسماء تدل على الأفعال .
واعلم - وفقك الله - أن لكل علم مبتدأ يبتدئ به طالبه ، وأُسًّا يبني عليه يحتاج
أن يتقنه حتى يعتدل له أُسه ويشتد بنيانه ، ثم حيئذٍ يتصرف في المعاني فيتبوأ
منها حيث أحب وأول هذا العلم: التفكر في مخلوقات الله جل ذكره ، وطلب
معرفته بذلك ، والعلم الحاصل عن ذلك فهو علم أسمائه ، وإنما ضل الأكثرون عن
المقصد لما ركنوا إلى طلب للعلم الهوينا ، وركنوا إلى الراحة ، وسلكوا في
ذهابهم إلى ذلك بنيات الطريق ، وقنعوا بالأدنى دون الأعلى ، وتركوا المنهج جانبًا ،
ولما لم يطلبوا العلم ، ولم يتعرفوا المعارف من أصولها ، ولا أتوها من أبوابها
ولا شرعوا فيها من مبادئها تحيروا وضلوا (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) .