وأن في جوابهم بقولهم: (بلى وربنا) لإثارة مذاق تدل على حالهم .
ألا ترى أن الميت يؤتى عندما يوضع في قبره فيسأل ، وفي آخر ذلك يقال له:
انظر إلى مقعدك من الجنة ، أبدلك الله به مقعدًا من النار ، وبالضد في المؤمن
والموقن ، فكذلك اللقاء يعرض عليه بما هو ، ثم يطرد عنه ، وأن للقاء اللَّه - جل
ذكره - بركة وأمر ، ليس كمثله أمر كما أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وإذا تحققت المراد كله
بالآخرة فمعظمه لقاء الله وهو الشأن كله ، وما بعد ذلك من إكرام وملك وحباء تبع
له كعلم معرفته في المعارف كل يعرفه وعلم تبع له .
لذلك - وهو أعلم - يقول الشقي في النار: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ(27)
ويقول الكافر: ( يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا(40) . والمشار بالتمني هنا
حال أوجدوها عند الوقوف من معنى اللقاء ، فيتمنى في النار أنه لم يكن ولم يجد ما
وجده ، وأن لو كانت قضية الموت تكون قاضية على البعث ، فلا يبعث ولا يجد من
حال اللقاء هنا وجده عند الخلود في جهنم ، يقول الله تعالى:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)
وهو - جل ذكره - ما ذكر اللقاء إلا بلفظ الرجاء لعظيم قدره وسني
شأنه ، فافهم ، أسعدنا الله بلقائه ، ورزقنا منه في ذلك البشر والبشرى برحمته .
(فصل)
الرجاء يكون عن سرور القلب بحسن الظن والعلم بصدق الوعد ، فإنما يكون
وجود الرجاء عن رفعة الإيمان ، فتحصل الثقة بالجود من الجواد الودود ، وأصل
ذلك عن حسن الظن بالله - جلَّ جلالُه - .
قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:"لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله"وحسن
الظن أرفع من الرجاء؛ إذ الراجي لا يكون إلا خائفًا ، فهو كما يرجو أن يصل إلى
مأموله يخاف أن يفوته ، ليس كذلك حسن الظن ، لأنه ثمرة المعرفة بجميع
أسماء الله - جلَّ جلالُه - وصفاته ، وأمَّا حسن الظن بالله هو أمل من حيث الله - جل ذكره - لا