ما يكون من ذلك الماء على طهارته ووحدته، وما ينفصل إليه في الأرض من أجل
تنوعها في نفسها من حزنها وسهلها وطيبها وخبيثها، ومذاقات مطاعم واختلافات
روائح، ثم كذلك حيوانها ونباتها وأناسيها باختلاف ذلك كله في أنواعه وشؤونه كلها.
ثم قال - جلَّ جلالُه - بعد ذلك: (كذَلِكَ) أي: كذلك الهداية فيما كان عن
ذلك، واللقن والفهم والديانات والخشية لله - عز وجل -، أْي: كذلك تختلف أغراضهم
وأخلاقهم وخلقهم بتوابع ذلك كله فيهم كما اختلفوا في بقاع الأرض ونباتها
وحيوانها، وما كان بدؤهم منه ونشأتهم.
وقد تقدم أن الدنيا حِذية من الدار الآخرة سراؤها وضراؤها، فسراؤها من
جنبة الفتح، وهو منتزع مما هو الجنة، وضراؤها من جنبة الفيح، وهو تنفس جهنم -
أعاذنا الله الرحيم الكريم منها برحمته - ولكل واحدة؛ أعني: الجنة والنار من
الخليقة بنون، فلا بد ولا محالة أن يخرج الشبه في البنين، لكن مشيئة الله - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه هي العالية، وكلمته هي المتممة بسنته، والله غالب على أمره،
يضع ويرفع ويقدم ويؤخر، ويعطي ويمنع ويهدي ويضل، وهو العليم الحكيم.
فلم يكن الله - جلَّ جلالُه - ليجعل كلامه الكريم ظاهرًا كله، مفصلًا كله للحكمة والحكم
اللذين في كلامه، ولئلا يمل إلى فهم رفيع خطابه إلا من صرف همته إليه، وعكف
بجد من ذاته على التفكر فيه والتدبر له، وتابع النظر واعتبر، فينزل كلًا من ثوابه
حيث أنزل نفسه من الجد والاجتهاد في تعرف معاني خطاب ربه.
ولما تقدم ذكره أيضًا من علمه بخلقه في اختلافهم، وتفاوتهم في هممهم،
وتخلف الأكثر منهم لأجل ذلك، وتقدمهم في تمييزهم وأفكارهم، وتعذر النظر
على بعضهم لتفاوتهم في درجات الفهم عنه للغالب عليهم في أصل تركيبهم،
ولتفاضلهم أيضًا في درجات الخصوصية من قبيل الهبات والهدايات، إذ منهم:
الجاهل البهيمي الذي لا يخطر على باله ولا يحوز في فكره إلا ما أدركه حسًّا
وشاهده عيانًا.
ومنهم: الفطن الفحَّاص المميز.
ومنهم: الملهَم المحدَّث.
ومنهم: المتوسط الحال، وما لا تحصره العبارات من الوسائط، فجعل الباري
جلَّ ذكره من كلامه الظاهر الجلي والنص المرفَّع في البيان إلى أقصى غاياته