الكتاب ، نعم ذكر الكتاب المبين والكتاب المنزل والاعتبار بموجودات العالم تشهد
للنبأ فتصدقه ، والنبأ ينبه العقول على ما أوجده في العالم من علم وهدى (أَفَمَنْ
يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)
فتطلب هذا وتدرسه جدًّا بلغ الله بنا وبك (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) .
(فصل)
لا يكون العالم عالمًا بالنبأ المنزل من عند الله - جل ذكره - حتى يستشهد
بموجودات العالم على النبأ ، وبالنباء على الوجود ؛ لذلك قال أصدق القائلين بعد
قوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) إلى قوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)
فقيام السماء والأرض على ما هي عليه آية على أن لها ممسكا يمسكها
وموجدًا أوجدها ، وكونها قائمة بأمره آية لمن تفكر .
وتابع التذكر على ما له من أسماء وصفات ، وذلك أيضًا آية على ما هي عليه
من فطره إياها على الدين القيم ، وبمتابعة التذكر وتدأب التفكر في آية على مباني
الإسلام الخمسة ، ثم على ما أمر به وحضَّ عليه من مكارم الأخلاق وعلى مراتب
الأعمال ، وذلك أيضًا من آياته على اختزان البرايا في خزائن السماوات والأرض
قبل بداية الخِلقة ، ثم على إرجاعها إلى تلك الخزائن بعد الموت ، وفي حال إبطانها
بعد إظهارها ، وفي كلتا الحالتين له بينة على إخراجها إلى حال الظهور .
ذلك قوله: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ(25)
إذا دعاهم من السماء أجابوه بمفارقة الأجسام التي أسكنوها ، ثم يدعوهم دعوة من
الأرض ، وبخاصة من الأجسام عند الإعادة ، أجابوه إليها سراعًا أطاعه كل شيء
وعبده كل موجود ، فهو الذي لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض ،
القنوت: الإمساك ، والقنوت: الصمت ، والقنوت: القيام ، والقنوت: الخضوع
والعبادة .
قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الضميرالذي في قوله: (عَلَيْهِ)
عائد على المخلوق ، والله أعلم بما ينزل ؛ لأن المعهود في بدايته أن يقلبه في طبقات