رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) .
ومن قويت هذه الصفة في باطنه ثم ظهرت على لسانه أوتي فصل الخطاب ،
وتميزت صور معاني الموجودات في باطنه ، فمتى نظر أبصر الحقائق ، ومتى نطق
عبر عن صور المعاني بالكلام القريب .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) آياته هنا: تنزيله الكتاب
المين من حروفه إلى الحروف المقطعة المرسومة في أوائل السور التي هي آيات
على تلك ، وواسطة بينها وبين حروف القرآن ، وتنزيله أيضًا الفرقان من لدن علمه
المحيط بتعالي التفصيل وتفصيل التفصيل إلى أن جعله - جلَّ جلالُه - نورًا في قلوب عباده ،
وفرقانًا في أثناء كتابه يقرؤونه بألسنتهم ، ويميزون به معاني خطابه في بواطنهم ، هذا
خاص قوله هنا: (إِنَّ الَّذِينَ كفروا بآيَاتِ الله) .
وعلى العموم بالقول في آياته في السماوات والأرض(لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)فالفرقان على هذا هو كلام الله جل قوله ، وقول الله
وإن كان منزلًا مقر بالأسماع والأفهام ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: ( حَتَّى يَسْمعَ كَلام الله )
كذلك قال الله من قبل ، وقال الله: (لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ) .
قول الله لا محالة ولا مرية فيه نزَّله روح القدس من لدنه إلى الروح الأمين إلى
قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثم إلى لسانه الصادق المصدوق - صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين - ثم عنه إلى أصحابه إلى تابعيهم ينقله خلَفٌ عن سلف ، والمنقول
كلام الله وقوله العلي العليم ، يتبين لنا بالحروف والأصوات المحمولة في الهواء
بتقطيع الألسنة لها في مخارجها من القراء الناقلين ، وهو غير حال فيهم إلا حفظًا
وعيًا له ، وعلى ذلك فقد وصفه - جلَّ جلالُه - بما يوصف به الحال بقوله:(بَلْ هُوَ آيَاتٌ
بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).
وأما الصفة ؛ فلا يجوز عليها انتقال ولا حلول ألبتة ، كذلك قال: (هُوَ
آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) .
فعلى هذا كلامه صفته العلية ، فكلامه القرآن الذي نزله منه روح القدس ،
وقراءتنا وإن كانت مخلوقة محدثة ؛ لأنها صفات لنا موجودة بنا توصف ، أعني: القرآن